رم - د . راشد الشاشاني
على وقع توجيهات خامنئي بتوسيع أهداف الردّ ضد أيّ هجوم جديد ؛ يعزّز فيه فكرة وحدة الساحات الإيرانيّة ، بدت فكرة مضادّة بالظهور في سطح العمليّات الناعمة بين واشنطن وطهران . تتجلّى واحدة من صور هذا الرد المضاد ؛ في جولة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي الذي حطّ في دمشق عائداً من الاردن ، وفي تأهّب لم يتم تأكيده حول زيارة إلى لبنان وإن كانت ترتيبات في أُطرٍ عدّة قد سبقتها .
لا يلتفت نظرنا عادة إلى أهميّة توطيد العلاقات الاقتصاديّة وأفق التعاون بين بلاد الزيدي وغيرها ، ولا تبرّعه بملغ عشرة ملايين دولار ، كي نسأله من أين جاءت هذه الأموال حتى يسهل عليه قذفها في " هواء لا يهواه " وإن كان يملك حقّا عشرة مليارات أخرى . لكن ظروف هذه الزيارات ؛ التي لا تَحيد قيد أُنمُلةٍ عن مراقبة توم براك ، وتوجيهات لا مجال للشك في حصولها من واشنطن بين لاعبيها الجُدد في المنطقة .
في قراءتنا لمشهد العجز العسكري الأمريكي تطويع الشارع الإيراني ، برزت _ على ما يبدو _ فكرةٌ عمليّةٌ ديناميكيّة ، تتلخّص بفتح جبهة " وحدة ساحات أمريكيّة " تقوم هذه الفكرة : على المزج بين شيعة العراق وسوريا ولبنان وكذلك سنّة هذه الدول ومن سار في مواكبها ، تمازُجٌ كهذا ؛ يقضي _ تحت ستار التعاون الاقتصادي _ بولادة واقعٍ جديدٍ ؛ يحوّل المشهد إلى طريقة أكثر فاعليّة في تفتيت " الصلب الإيراني في أرض العدو" في عدّة محاور منها :
أوّلاً : منح الحكومة العراقيّة ليونة في استمالة الفصائل الموالية لإيران وإذابتها في محلول تفتيت
الخنق الإقتصادي ، ربّما كان أثر مضيق هرمز في تصدير النفط العراقي واحداً من عناصر الإستغلال الأمريكي للأزمة ، علاوةً على الإيعاز بفكرة إغلاق المعابر مع إيران شيئا فشيئا . فوق هذا وذاك ضغط العقوبات الاقتصادية الامريكيّة .
ثانياً : طالما أنّ الأمر انتهى عند صورة الضيق هذه ؛ فهو يحتاج مَنفساً اقتصاديّاً ؛ يمكن معه للفصائل التفلّت من خلال مشاريعها الاقتصاديّة التي أتيحت في إطار التعاون الاقتصادي مع سوريا وغيرها ، سيّما مع ارتباط هذه الفصائل مع مثيلاتها في سوريا ولبنان ؛ هذا ما يضمن سلاسة سير الحكومة العراقيّة مع إطارها التنسيقي ، وهو ما يعني انكشافاً كاملاً لها في هذه الدول ؛ على الأقلّ أمام الاستخبارات الأمريكيّة ؛ بما يسمح باختراقها واختراق طرق الإمداد الإيرانيّة معها ، ناهيك عن " إذابة جمود التكتّلات الصلبة لها في مواقعها التي تمنع اختراقاتٍ كهذه .
ثالثاً : بما أنّ هذه الخطّة قابلة للتطبيق على وجوه عدّة ، بمعنى : أنّ ما قيل بحقّ العراق ينطبق على سوريا ولبنان وغيرها ؛ فهذا يعني بالضرورة تفتيتاً مقابلا في الجهةِ السنيّةِ ؛ بما أنّ غالبيّة الفصائل الموالية لإيران من الطائفة الشيعيّة ، بهذا تتوزع الكُتلتان بطريقة يصعب فيها لواحدةٍ منها التحصّن باتّحادٍ ما مهما كان دافعه ، كما يصعب في ذات الوقت تحالف هاتين الطائفتين ولو بمستوى بسيطٍ ، كمثال : تحالف حزب الله مع غيره .
انتبهوا هنا إلى أنّنا – ونحن نتحدّث عن هذا - نلمحُ بأعيننا قلقَ واشنطن من حركة تركيّةٍ نشطةٍ في كلا الاتجاهين ؛ لا تروق لواشنطن ، وإن أبدَت غير ذلك ، لا تتركوا انتِبهاكُم إلى حلقة الوصل : توم براك .
بهذه الوصفة الجديدة : يمكن للشيعةِ في أرض العراق القضاء أو التخلّص أو السيطرة أو بالأقلّ رصد السنة فيها ، وكذلك الشيعة من غير مواليهم ، والعكس كذلك أيضا ، وما يجري في العراق يجري في سوريا ولبنان وغيرها.
إذاً ؛ توكيل جانب بالقضاء على آخر في أرضه هو أي أرض الوكيل ، وما يتبع ذلك من " فوضى الإلتحام " بهذه الطريقة ؛ يمكن لواشنطن تفويت فرصة فشلها في الاعتماد على دخول سوري الى لبنان و العراق للتخلّص من مليشيات موالية لإيران .
أخيرا ؛ لعبةٌ كهذهِ ؛ لن تروق لتركيّا ، التي تخشى تكتّلاتٍ شيعيّةٍ في مناطق نفوذها العسكريّ والاقتصاديّ ؛ تهدّد مصالحها هذه ، بل تفوق ذلك ؛ حين تشكّل خطراً استراتيجيّاً ، تتمثّل أبسط صوَرِهِ في تحالفٍ كرديٍّ مع هذهِ الكُتل ؛ تقوده مصالح سوف تُنجبها المرحلة القادمة . مرّةً أخرى نؤكّد على أنّ الجنوب السوري سوف يكون عقد وصل كل تناقضات العصر ، سيّما مع إتاحة المشهد لولادة شيعيّة جديدة ؛ تتغيّر فيها نقاط الضعف إلى قوّة