رم - كشفت مصادر سياسية لبنانية مطلعة لـ"إرم نيوز" أن الولايات المتحدة طرحت على لبنان إمكانية الاستعانة بشركات خاصة متخصصة في التكنولوجيا والمراقبة الاستخباراتية، لتولي مهام الرصد والتحقق في جنوب البلاد بعد انتهاء تفويض قوات الأمم المتحدة المؤقتة "اليونيفيل"، في خطوة تعكس توجهاً أمريكياً لإقامة منظومة رقابة جديدة تعتمد على التكنولوجيا والمعلومات الاستخباراتية بدلاً من الانتشار العسكري الدولي التقليدي.
ونقلت المصادر عن مسؤول لبناني مطلع على المحادثات بين واشنطن وبيروت، أن الأمريكيين لم يحددوا أسماء شركات بعينها، لكن الترجيحات تشير إلى أنها قد تكون من الشركات المتعاقدة مع وزارتي الدفاع والخارجية الأمريكية.
وقالت المصادر إن الحديث عن أسماء الشركات في أروقة المفاوضات بقي مقتصراً على التوصيف الوظيفي (شركات تدقيق جيو-فضائي ورقابة تكنولوجية) من دون الكشف رسمياً عن هويتها التجارية تجنباً لإحراق الطرح سياسياً في بيروت.
وأوضحت أن لبنان لا يرى فرصاً حقيقية لنجاح المقترح، سواء بسبب التعقيدات السياسية والأمنية أو بسبب صعوبة العثور على جهة مستعدة لتحمل التكاليف المرتفعة لتشغيل الشركات ومنظومات المراقبة المقترحة.
شركات تقنية بلا انتشار مسلح
وبحسب المصادر، لا يتضمن التصور الأمريكي نشر شركات أمنية مسلحة أو عناصر قتالية أجنبية في الجنوب، وإنما الاستعانة بشركات متخصصة في تشغيل منظومات المراقبة المتطورة، وتحليل المعلومات الميدانية، والتدقيق الجغرافي، والتحقق من الالتزام بالترتيبات الأمنية.
وتشمل المهام المقترحة تشغيل وسائل الاستشعار والمراقبة، وتحليل الصور والبيانات الجغرافية، ورصد التحركات المشبوهة، وتقديم الدعم المعلوماتي لغرف العمليات المشتركة، بما يسمح بتحديد المواقع التي قد تحتوي على منشآت عسكرية أو أسلحة محظورة لحزب الله، بموجب الاتفاقات الأمنية.
وتفضل واشنطن، وفق المعطيات، إنشاء آلية تحقق تعمل بإشراف أمريكي من دون الحاجة إلى نشر قوات أمريكية على الأرض، على أن يحتفظ الجيش اللبناني بالمسؤولية الأمنية الميدانية، بما فيها الانتشار والتفتيش وتنفيذ الإجراءات العسكرية.
غير أن الفصل بين المراقبة التقنية والعمل العسكري يثير تساؤلات حول ملكية المعلومات التي ستجمعها الشركات، والجهات التي ستتسلمها، ومدى إمكانية استخدامها في عمليات عسكرية إسرائيلية، خصوصاً إذا تضمنت إحداثيات دقيقة لمواقع وتحركات داخل الأراضي اللبنانية.
خطة أمريكية لما بعد القوات الدولية
يأتي المقترح ضمن مساعٍ أمريكية لإعادة صياغة الترتيبات الأمنية في جنوب لبنان، بالتزامن مع اقتراب انتهاء تفويض اليونيفيل في ديسمبر 2026، والتحضير لانسحابها التدريجي خلال عام 2027.
وكان "إرم نيوز" قد نقل عن مصادر أمنية لبنانية أن واشنطن طرحت في وقت سابق خطة لتسيير دوريات مشتركة بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي، فيما رفض لبنان المقترح، وأبدى تمسكه بأن تتولى دول أجنبية مهمة التحقق.
ويبدو المقترح الجديد بتكليف شركات خاصة جزءا من الرؤية الأمريكية الرافضة لنموذج قوات حفظ السلام الأممية، التي تعمل بموجب تفويض دولي وقواعد اشتباك محددة؛ إذ ستكون الشركات الخاصة مرتبطة بعقود تشغيل وآليات إشراف يجري الاتفاق عليها بين الأطراف المعنية.
حزب الله يرفض الرقابة الاستخباراتية
وتواجه الفكرة اعتراضاً من حزب الله، الذي ينظر إلى الشركات التقنية والاستخباراتية الخاصة باعتبارها أدوات محتملة لجمع المعلومات لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل، حتى لو لم تتضمن مهامها أي انتشار مسلح.
ووفقا للمصادر، يعتبر الحزب أن إدخال منظومات مراقبة متطورة إلى الجنوب تحت إشراف خارجي قد يسمح بتتبع تحركات عناصره وتحديد منشآته العسكرية ومواقع تخزين أسلحته، بما يوفر معلومات استخباراتية يمكن استخدامها في أي مواجهة مقبلة.
وتزداد حساسية هذه المسألة مع سعي الحزب إلى إعادة بناء قدراته العسكرية وشبكات القيادة والسيطرة التي تعرضت لأضرار كبيرة خلال الحرب، ومحاولاته إعادة تنظيم انتشاره بعيداً عن وسائل الرصد الإسرائيلية.
كما يرفض الحزب منح جهات خارجية صلاحيات للتحقق من الممتلكات الخاصة أو تفتيش المنازل، ويتمسك بأن تكون الإجراءات الأمنية الميدانية حصراً من مسؤولية الجيش اللبناني.
وفي المقابل، تنطلق المقاربة الأمريكية من ضرورة إيجاد آلية مستقلة للتحقق من تنفيذ الالتزامات الأمنية، وعدم الاكتفاء بالتقارير التي تقدمها الأطراف المحلية.
المشكلة في صلاحيات المراقبين
في تعليقه على هذا الاقتراح، يلفت الخبير العسكري اللبناني العميد المتقاعد فادي داوود إلى أن المسألة لا تتعلق فقط بهوية الجهة التي ستتولى المراقبة، وإنما بطبيعة الصلاحيات الممنوحة لها وحدود تدخلها في عمل الجيش اللبناني.
ويشير داوود، إلى وجود فارق جوهري بين جهة دولية تتلقى نتائج عمليات الجيش وتراجعها للتحقق من الالتزام بالاتفاقات، وجهة تشارك بصورة مباشرة في مراقبة عمليات التفتيش باستخدام الكاميرات وأجهزة الاتصال والتجهيزات التقنية.
وتكمن الإشكالية، وفق طرحه، في احتمال تحول آليات التحقق إلى شكل من أشكال الإشراف الخارجي على العمليات العسكرية اللبنانية، بما يثير تساؤلات تتعلق بالسيادة وسلسلة القيادة العسكرية.
وتكتسب هذه المخاوف أهمية إضافية عندما يتعلق الأمر بجهات تقنية خارجية تستطيع جمع معلومات ميدانية دقيقة، بينما تبقى صلاحيات الجيش ومسؤوليته عن تنفيذ الإجراءات الأمنية موضع تفاوض بين الأطراف المعنية.
التمويل يهدد المشروع قبل انطلاقه
إلى جانب العقبات السياسية والأمنية، تبرز مشكلة التمويل باعتبارها إحدى أبرز نقاط الضعف في المقترح الأمريكي. وتقول المصادر السياسية إن لبنان أبلغ واشنطن بأن الشركات الخاصة تحتاج إلى تمويل مستمر لتشغيل منظومات المراقبة والاتصالات وتحليل المعلومات، فضلاً عن تغطية تكاليف الكوادر المتخصصة والصيانة والتجهيزات التقنية. وتختلف هذه الآلية عن اليونيفيل التي تعتمد على ميزانية أممية، إذ تتطلب الشركات عقوداً تجارية وتحديد جهة تتحمل نفقاتها ومسؤولياتها القانونية.
ولم يتضح ما إذا كانت واشنطن مستعدة لتمويل المشروع مباشرة، أو تسعى إلى توزيع تكاليفه على دول أخرى، فيما ترى بيروت أن غياب التمويل الكافي سيجعل استمراره موضع شك.
وبين الاعتراضات الداخلية ومأزق التمويل والخلاف حول الصلاحيات، يبدو المقترح الأمريكي أمام اختبار يتجاوز مجرد اختيار شركات مؤهلة تقنياً. فالقضية الأساسية لم تعد تقتصر على الجهة التي ستحل محل اليونيفيل، بل تتعلق بمن سيمتلك المعلومات الاستخباراتية عن جنوب لبنان، ومن سيتحكم بتداولها واستخدامها، وما إذا كانت آلية التحقق الجديدة ستتحول إلى منظومة مراقبة دائمة بإشراف أمريكي، من دون غطاء أممي مماثل لذلك الذي حكم عمل القوات الدولية طوال العقود الماضية.