رم - كشفت مصادر أمنية عراقية لـ"إرم نيوز" عن تصاعد الشبهات بشأن ضلوع مجموعات مسلحة تتبع لما بات معروفا باسم "فصائل الظل" في إطلاق المسيّرتين اللتين اخترقتا أجواء المنطقة الخضراء وسط بغداد، الثلاثاء الماضي، وسط ترجيحات بوجود ارتباطات بين هذه المجموعات وفصائل نافذة، يتقدمها اسم "كتائب حزب الله"، في وقت تقترب فيه التحقيقات الفنية من تحديد نقاط انطلاق الطائرتين والجهات التي تولت تشغيلهما.
وقالت المصادر إن المؤشرات الأمنية ترجح تنفيذ العملية بواسطة مجموعات صغيرة تعمل تحت أسماء حركية مستعارة، بهدف إبعاد المسؤولية عن الفصائل الكبرى التي تتمتع بنفوذ سياسي وأمني، خصوصاً في العمليات التي قد تؤدي إلى مواجهة مباشرة مع الحكومة العراقية أو الولايات المتحدة.
وأوضحت أن التحقيقات لم تحسم بعد مسؤولية جهة محددة، لكنها ضيقت دائرة الاشتباه، وسط توجه حكومي لإصدار أوامر اعتقال بحق المتورطين، إذا اكتملت الأدلة الفنية والاستخباراتية.
لماذا تبرز كتائب حزب الله؟
بحسب المصادر، يتردد اسم كتائب حزب الله في التقديرات الأمنية المتعلقة بالحادثة، ليس فقط بسبب مواقفها الرافضة للتخلي عن السلاح، وإنما أيضاً نتيجة خلافات متصاعدة مع حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي بشأن ملفات أمنية واقتصادية حساسة.
وتشمل هذه الخلافات النفوذ داخل أجهزة المخابرات والأمن الوطني وحرس الحدود، إلى جانب السيطرة على المنافذ الحدودية والاستثمارات والمواقع الإدارية المرتبطة بها.
وترى المصادر أن هذه الملفات تشكل خلفية محتملة للتوتر الذي سبق حادثة المسيّرات، لكنها تؤكد أن الربط بين تلك الخلافات ومسؤولية الكتائب عن العملية لا يزال في إطار الترجيحات، ولم يتحول إلى اتهام حكومي رسمي.
وتشير إلى أن اعتماد مجموعات الظل يمنح الفصائل التي قد تقف خلفها هامشاً للتحرك العسكري والضغط السياسي، مع تجنب تحمل المسؤولية المباشرة، ولا سيما في ظل الضغوط الحكومية لحصر السلاح بيد الدولة.
ويكتسب هذا الاحتمال أهمية إضافية مع عدم إعلان أي جهة مسؤوليتها عن إطلاق المسيّرتين، رغم وقوع الحادثة في واحدة من أكثر المناطق العراقية تحصيناً، حيث توجد مقار الحكومة والسفارة الأمريكية وبعثات دبلوماسية أخرى.
تحقيقات تقترب من تحديد المنفذين
وكشفت المصادر الأمنية أن التحقيقات الفنية دخلت مرحلة متقدمة من مراجعة المعطيات المتعلقة بمسارات الطائرتين ونقاط انطلاقهما، بالتوازي مع متابعة استخباراتية للجهات التي يُشتبه بامتلاكها القدرة على تنفيذ العملية.
وكانت السلطات العراقية أعلنت اعتراض مسيّرة مجهولة قرب المنطقة الخضراء، بينما تحدثت مصادر أمنية عن إسقاط طائرتين والعثور على حطامهما في موقعين مختلفين.
وأكد رئيس خلية الإعلام الأمني سعد معن أن المسيّرة التي جرى فحصها لم تكن تحمل متفجرات، وأن الفرق المختصة باشرت تحليل الحطام لتحديد مصدرها وملابسات تحليقها.
وتقول المصادر إن الحكومة أبلغت قيادات أمنية وفصائلية عزمها ملاحقة المسؤولين عن خرق أجواء العاصمة، بصرف النظر عن انتماءاتهم، فيما يبقى الاختبار الأكثر حساسية متعلقاً بإعلان أسماء الجهات المتورطة وتنفيذ أوامر الاعتقال إذا امتدت التحقيقات إلى فصائل نافذة.
انقسام الفصائل بعد الانسحاب الأمريكي
وتأتي الحادثة وسط خلافات داخل القوى المسلحة بشأن المرحلة التي أعقبت استكمال الانسحاب الأمريكي من العراق. فبحسب المصادر، يميل تيار يضم منظمة بدر وعصائب أهل الحق إلى المحافظة على التهدئة وتعزيز حضوره السياسي والمؤسسي، فيما تتمسك كتائب حزب الله وحركة النجباء بمواقف أكثر تشدداً حيال مستقبل السلاح واستمرار النشاط العسكري المرتبط بالتطورات الإقليمية.
وتعتقد المصادر أن عودة المسيّرات إلى أجواء المنطقة الخضراء قد تعكس رغبة أطراف داخل التيار المتشدد في إثبات استمرار قدرتها على التحرك، رغم انتهاء المهمة العسكرية للتحالف وتصاعد الضغوط الحكومية لضبط السلاح.
كما لا تستبعد أن تكون العملية رسالة مزدوجة، تستهدف اختبار الإجراءات الأمنية العراقية وإظهار القدرة على الوصول إلى محيط المصالح الأمريكية، من دون تنفيذ ضربة مباشرة. غير أن هذه القراءة تبقى مرتبطة بنتائج التحقيقات، خصوصاً أن السلطات لم تحسم ما إذا كانت الطائرتان تستهدفان السفارة الأمريكية أم مقار حكومية عراقية.
مخاطر عودة العمليات
وفي قراءة أمنية للحادثة، رجّح الخبير الأمني والاستراتيجي العراقي سيف رعد أن تكون المسيّرة التي أُسقطت قرب المنطقة الخضراء محلية الصنع، وتعتمد على تقنيات صينية وإيرانية، استناداً إلى تحليل لأجزاء من حطامها.
وحذر رعد، من أن العراق قد يعود إلى ساحة لتبادل الرسائل والعمليات المسلحة إذا تجددت المواجهة العسكرية مع إيران، مشيراً إلى أن انخراط بعض الفصائل في العمل السياسي وتراجع نشاطها العسكري لا يعنيان انتهاء احتمالات التصعيد.
ولفت إلى أن كتائب حزب الله وحركة النجباء لم تحسما بصورة واضحة موقفهما من التفاهمات المتعلقة بوقف العمليات وتنظيم السلاح، معتبراً أن أي مواجهة إقليمية جديدة قد تدفع جماعات مسلحة إلى استئناف الهجمات، وتضع الحكومة أمام تحدي منع استخدامها الأراضي العراقية لتنفيذ عمليات تستجلب ردوداً عسكرية خارجية.
اختبار المواجهة مع الفصائل
وتضع الحادثة حكومة الزيدي أمام اختبار يتجاوز تحديد مطلقي المسيّرتين إلى قدرتها على التعامل مع الجهات التي ربما وفرت الغطاء أو الدعم للعملية.
وتزامنت التحقيقات مع إجراءات حكومية شملت إقالة أربعة ضباط رفيعي المستوى في وزارة الداخلية، على خلفية السماح لعناصر من الحشد الشعبي بإهانة العلم الأمريكي خلال احتفالات خروج القوات الأجنبية، في مؤشر إلى تشدد الحكومة تجاه التصرفات التي قد تثير أزمات أمنية أو دبلوماسية.
وتبرز هنا إشكالية استخدام الأسماء الحركية والمجموعات الصغيرة، إذ يمكن أن يؤدي اعتقال المنفذين المباشرين إلى إغلاق الملف أمنياً من دون الوصول إلى الجهات التي اتخذت قرار العملية.
وبينما تنتظر الأوساط السياسية نتائج التحقيقات، يبقى السؤال الأكثر حساسية ما إذا كانت الحكومة ستكتفي بملاحقة مجموعة محدودة، أم ستعلن مسؤولية فصيل كبير إذا أثبتت الأدلة تورطه.
فالحادثة، وفق تقديرات المصادر، قد تتحول من خرق أمني محدود إلى مواجهة سياسية بشأن حدود نفوذ الفصائل المسلحة وقدرة الدولة العراقية على إخضاع نشاطها العسكري لقرار الحكومة.