رم - انس الرواشدة
يشكل النسيج المجتمعي الأردني نموذجاً فريداً في التماسك والصلابة في وجه التحديات والمنعطفات التاريخية المختلفة. لقد أثبت المجتمع الأردني بجميع مكوناته على مر السنين قدرة فائقة على تجاوز الأزمات بحكمة ووعي وطني عميق يتجاوز كافة الخلافات والنعرات. تمثل الهوية الوطنية الجامعة المظلة التي تسع الجميع لصالح مصلحة الوطن العليا واستقراره. إن هذا التلاحم المتجذر بين أبناء الوطن الواحد ليس وليد الصدفة بل هو ثمرة مسيرة طويلة من العيش المشترك والاحترام المتبادل بين المسلمين والمسيحيين على هذه الأرض الطيبة.
تظهر قوة هذا النسيج وتتجلى بوضوح شديد في الأوقات العصيبة والمحن التي تختبر معادن الشعوب. تبرز الأحداث الجسام التي مرت بها البلاد طبيعة العلاقة الاستثنائية التي تربط المواطنين بعضهم ببعض بغض النظر عن الانتماءات الدينية أو الجهوية. تعتبر الحوادث الأمنية المتكررة التي استهدفت دور العبادة ورافقها سقوط ضحايا أبرياء محطات فارقة أظهرت صلابة هذا المجتمع وعمقه الأخلاقي والإنساني.
الرد الوطني والتلاحم المجتمعي
جاءت ردود الفعل الشعبية والرسمية على حادثة كنيسة الكرك لتؤكد يقيناً أن النسيج المجتمعي الأردني يربح على الدوام في مواجهة أي خطر خارجي. ولم ينجر المجتمع نحو الفخ الذي نصبوه لهم بل على العكس من ذلك تماماً توحد الجميع في صف واحد خلف مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية. خرج المسلمون والمسيحيون في الكرك وفي باقي مدن المملكة في مشهد مهيب ينددون بالحادثه ويؤكدون أن الدم الأردني واحد بغض النظر عن الدين أو الهوية الفرعية.
أظهرت عائلات الشهداء ورجال الأمن العام والمواطنين وعياً منقطع النظير حيث كانت مواقفهم الوطنية بلسمًا للجراح ومصدر إلهام للجميع. تجلت أروع صور الوحدة الوطنية عندما شارك المواطنون المسلمون في تشييع جثامينهم وفي تقديم العزاء لإخوتهم المسيحيين وتأكيدهم الدائم على أن الكرك لكل أبنائها. لقد أثبت هذا التفاعل الإيجابي السريع أن محاولات زرع الفتنة تبوء بالفشل الذريع أمام وعي المواطن الأردني وانتمائه الحقيقي للوطن.
يخرج النسيج المجتمعي الأردني دائماً منتصراً من كل اختبار قاس يتعرض له الوطن. تؤكد الأحداث الأليمة كحادثة كنيسة الكرك وما رافقها من دماء أزكيت طاهرة دفاعاً عن ثرى الوطن أن اللحمة الوطنية هي السلاح الأقوى في مواجهة التهديدات الخارجية والداخلية. لقد سقطت الأهداف الدنيئة لهم على أعتاب الوعي المجتمعي الراسخ وبقي الأردنيون يدافعون عن نموذجهم الفريد في العيش المشترك. إن هذه المحطات التاريخية تزيد الشعب الأردني مناعة وقوة وتجعل من التنوع الديني والثقافي مصدر غنى وقوة لا ضعفا وانقساما. يبقى الأردن واحة أمن واستقرار بفضل تماسك جبهته الداخلية ووعي أبنائه الذين يثبتون في كل مرة أن الوطن هو الباقي وكل محاولات التخريب إلى زوال.