بقلم: عبد الله مصطفى السعود
لم يكن الألم الذي أصاب الكرك محصوراً في أسر الضحايا والمصابين، بل امتد إلى وجدان الأردنيين جميعاً. فالجريمة التي استهدفت أبرياء في محيط مكان للعبادة وأثناء مراسم تشييع ليست مجرد اعتداء على أفراد، بل انتهاك لحق الإنسان في الأمن والكرامة، واختبار لقدرة المجتمع والدولة على مواجهة المحنة بالحكمة والعدالة. غير أن مواجهة مثل هذه الجرائم لا تقتصر على الإدانة أو التعبير عن الغضب، بل تبدأ بكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين وإنفاذ القانون.
فالاختبار الحقيقي يكمن في قدرة الدولة على حماية مواطنيها، وفي قدرة المجتمع على منع الألم من التحول إلى كراهية أو انقسام يهدد وحدته وتماسكه. وفي هذا السياق، حملت زيارة جلالة الملك عبد الله الثاني إلى الكرك وتفقده المصابين مرتدياً الزي العسكري بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، رسالة واضحة بأن الدولة حاضرة في الميدان، وأن أمن المواطنين أولوية لا تقبل التأجيل.
كما عكست تأكيداته بأن الإرهاب سيواجه بأشد العقوبات موقفاً حاسماً يطمئن المواطنين إلى أن القانون سيأخذ مجراه وأن أمن الوطن خط أحمر. وجاءت تصريحات سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبد الله الثاني لتؤكد المعنى نفسه، حين شدد على أن الإرهاب لن ينال من الكرك ولا من تاريخها، وأن الأردنيين سيبقون موحدين في مواجهة كل من يحاول المساس بأمنهم واستقرارهم. وهي رسالة تؤكد أن استهداف جزء من الوطن هو استهداف للوطن كله، وأن وحدة الأردنيين تبقى أقوى من أي محاولة لبث الخوف أو الفرقة. لكن قوة الدولة لا تقاس بالتصريحات وحدها، بل بقدرتها على كشف ملابسات الجريمة ومحاسبة مرتكبيها ومنع تكرارها. فدماء الضحايا أمانة، والوفاء لهم يكون بإحقاق العدالة وصون أمن المجتمع وترسيخ الثقة بمؤسسات الدولة وسيادة القانون.
وفي المقابل، فإن المطالبة بالعدالة لا تبرر التسرع في إصدار الأحكام أو تحميل جماعات بأكملها مسؤولية أفعال أفراد. فالمسؤولية فردية، والإدانة تعتمد على الأدلة والحقائق لا على الشائعات والانفعالات. ولهذا فإن رفض التحريض والتعميم لا يمثل موقفاً عاطفياً فحسب، بل هو دفاع عن العدالة وعن حق المجتمع في معرفة الحقيقة كاملة. كما أن مواجهة الجريمة تستدعي التصدي للشائعات وخطاب الكراهية اللذين يزدهران في أوقات الأزمات.
فالمعلومات غير الموثقة والتحريض عبر وسائل التواصل الاجتماعي قد تتسبب بأضرار لا تقل خطورة عن الجريمة نفسها، لأنها تقوض الثقة وتغذي الانقسام. ومن هنا تبرز أهمية الاعتماد على المصادر الرسمية والتحلي بالمسؤولية في تداول المعلومات. لقد أثبت الأردنيون عبر تاريخهم أن العيش المشترك ليس شعاراً عابراً، بل حقيقة راسخة تقوم على الشراكة في الوطن والمصير. ومن ثم فإن استهداف مكان للعبادة يجب أن يعزز التمسك بقيم المواطنة والوحدة الوطنية لا أن يفتح أبواب الفرقة والشك. الكرك اليوم تنزف، والأردن كله يتألم. لكن الرد الذي يليق بهذا الوطن لا يتوقف عند الإدانة، بل يتمثل في عدالة تكشف الحقيقة، ودولة تحمي مواطنيها، ومجتمع يرفض الكراهية والفتنة ويحافظ على وحدته.
فالإرهاب قد يحصد أرواحاً بريئة، لكنه لن ينجح في تمزيق النسيج الوطني أو النيل من تماسك الأردنيين وإرادتهم. نقدم عزائنا الحار لأهالي المغدورين ونسأل الله أن يلهم أهلهم وذويهم الصبر والسلوان، وأن يمن على المصابين بالشفاء العاجل. حفظ الله الأردن وطناً وشعباً وقيادة. [email protected]
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |