عاطف أبوحجر
حين تمتدّ يد الإرهاب إلى دور العبادة، فإنها تستهدف أمن الإنسان وحقه في الحياة والعبادة، وتحاول بثّ الخوف والفرقة بين أبناء المجتمع الواحد. لكن مثل هذه الجرائم تكشف، في المقابل، عن قوة الشعوب المتمسكة بقيمها، وقدرتها على مواجهة الكراهية بالتضامن، والتطرف بالوعي، والفتنة بالتلاحم. لقد أثارت جريمة الاعتداء على كنيسة بلدة حمود مشاعر الحزن والاستنكار، وأكدت أن استهداف الأبرياء عمل إجرامي مرفوض لا يمكن تبريره بأي فكر أو شعار.
وفي مواجهة هذا الألم، برزت مواقف أردنية عبّرت عن أصالة المجتمع وتماسكه، بدءًا من زيارة جلالة الملك عبد الله الثاني للمصابين، وصولًا إلى فزعة المواطنين للتبرع بالدم ومساندة الجرحى. جاءت زيارة جلالة الملك للمصابين لتؤكد الوقوف إلى جانبهم في هذه الظروف الصعبة، والاهتمام بأوضاعهم الصحية والإنسانية. وتحمل هذه الزيارة رسالة تضامن تعكس مسؤولية القيادة تجاه المواطنين، وتؤكد أن سلامة الإنسان وكرامته تظلان في مقدمة الأولويات.
وفي صورة مشرّفة من صور التكافل، تجلّت فزعة الأردنيين في الإقبال على التبرع بالدم لإنقاذ المصابين. فقد عبّر هذا الموقف عن معاني النخوة والرحمة، وأثبت أن روابط الإنسانية تتقدم على كل اختلاف. فالمتبرع لا يسأل عن دين المصاب أو طائفته، بل يستجيب لنداء الإنسانية، مؤكدًا أن أبناء الوطن يقفون معًا حين تشتد المحن. إن الاعتداء على دور العبادة جريمة تمسّ القيم الإنسانية والأخلاقية، وتتعارض مع مبادئ الرحمة وصون النفس ورفض الظلم. ولا يجوز اتخاذ الدين ذريعة لإراقة الدماء أو ترويع الآمنين، فالتطرف لا يمثل قيم الأديان، ولا يمنح أحدًا حق الاعتداء على حياة الآخرين وكرامتهم.
ومن هنا، فإن استنكار هذا العمل الإرهابي والتكفيري واجب وطني وأخلاقي، يتطلب موقفًا واضحًا يرفض العنف والتطرف، ويدعو إلى ملاحقة المسؤولين عن الجريمة ومحاسبتهم وفق القانون. كما أن مواجهة الفكر المتطرف تحتاج، إلى جانب الإجراءات الأمنية، إلى خطاب واعٍ يعزز الاعتدال، ودور فاعل للمؤسسات التربوية والدينية والإعلامية في ترسيخ ثقافة التسامح واحترام الآخر. لقد أثبتت المواقف الأردنية أن المواطنة لا تُقاس بالدين أو الطائفة، بل بالانتماء إلى الوطن واحترام حقوق أبنائه.
فالمسلم والمسيحي شريكان في بناء الأردن، تجمعهما الأرض والتاريخ والمصير المشترك، ويشكّل تعايشهما جزءًا أصيلًا من نسيج المجتمع الذي يجب الحفاظ عليه وتعزيزه. إن جريمة كنيسة بلدة حمود، على ما تحمله من ألم، تؤكد ضرورة التكاتف في مواجهة الإرهاب وصون أمن المجتمع. فزيارة جلالة الملك للمصابين وفزعة الأردنيين للتبرع بالدم تجسّدان موقفًا إنسانيًا أصيلًا يضع حياة الإنسان فوق كل اعتبار، ويرفض أن تتحول دور العبادة إلى أهداف للعنف أو أن تصبح الاختلافات أسبابًا للفرقة. سيبقى الأردن متمسكًا بقيم التسامح والتكافل، وستظل محبة الوطن والوقوف إلى جانب أبنائه أقوى من محاولات بثّ الكراهية والفتنة. حفظ الله الأردن آمنًا مستقرًا، ومنّ على المصابين بالشفاء العاجل، وألهم ذويهم الصبر والسلوان.
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |