من المدرسة إلى الجامعة… استقبال الطلبة الجدد مسؤولية تربوية لا مراسم احتفالية .. !


رم - د. مفضي المومني.


مع بداية العام الجامعي، نبارك لطلبتنا المستجدين وأهاليهم، ونشاركهم فرحة الانتقال إلى مرحلة جديدة في مسيرتهم العلمية، آملين أن تكون بداية موفقة لطريق النجاح والإنجاز...بعد مخاض ومتاعب نظام الحقول الفاشل عملياً… والمبجل نظرياً من لدن صانعيه…!.

مع بداية العام الجامعي واستقبال الجامعات لطلبتها الجدد، الذين يُطلق عليهم زملاؤهم من السنوات المتقدمة لقب (السنافر) ، ربما تحبباً أو تهكماً… !، لكن خلف هذه التسمية طلبة يخوضون تجربة جديدة، وينتقلون من بيئة المدرسة إلى فضاء الجامعة، بما يحمله ذلك من اختلاف في البيئة والمسؤوليات والأنظمة والعلاقات وأساليب التعلم.

وهنا تبدأ مسؤولية الجامعات الحقيقية؛ فاستقبال الطلبة لا ينبغي أن يكون مجرد احتفال وكلمات ترحيبية وصور تذكارية، بل عملية تربوية متكاملة تساعد الطالب على الاندماج في الحياة الجامعية، وتبني شخصيته، وتعزز انتماءه وشعوره بالمسؤولية. إذ لا يجوز التعامل مع الطالب كزبون دفع الرسوم ودخل الحرم الجامعي، بل إنسان في مرحلة انتقالية مهمة، يحتاج إلى التوجيه والإرشاد والاحتواء والإدماج في الحياة الجامعية.

ومن واقع الخبرة الجامعية، فإن بعض المشكلات السلوكية والأكاديمية التي تظهر لاحقاً، ومنها العنف والتعصب وضعف الالتزام بالتعليمات، قد يكون من أسبابها غياب التوجيه المبكر، وجهل الطلبة بالأنظمة والأعراف الجامعية، واستمرار بعض أنماط السلوك المدرسي في بيئة تتطلب قدراً أكبر من النضج والاستقلالية والمسؤولية.

ولتحقيق استقبال فاعل للطلبة المستجدين، أقترح ما يلي:

1. استقبال منظم وهادف: تشكيل لجان تضم أعضاء هيئة التدريس والطلبة المتقدمين ودوائر شؤون الطلبة، وتزويد الطلبة الجدد بأدلة مبسطة حول الأنظمة والتعليمات والخدمات الجامعية.

2. تعريف الطالب بجامعته: تنظيم لقاءات تجمع الطلبة برؤساء الأقسام والعمداء والمرشدين الأكاديميين، وتعريفهم بمرافق الجامعة وخدماتها، وحقوقهم وواجباتهم والجهات التي يمكنهم اللجوء إليها عند الحاجة.

3. إرشاد مستمر لا أسبوع احتفالي: ألا ينتهي الاهتمام بالطالب بانتهاء الأسبوع الأول، بل يستمر خلال الفصل الأول وما بعده، مع متابعة تكيفه الأكاديمي والاجتماعي، والكشف المبكر عن الصعوبات التي تواجهه.

4. دور تربوي للأستاذ الجامعي: فالعلاقة بين الأستاذ والطالب لا ينبغي أن تقتصر على المحاضرة والامتحان. ويمكن تخصيص 5 دقائق من وقت المحاضرات للحوار حول السلوك الجامعي والمسؤولية واحترام الآخر، وتعزيز التواصل الإنساني والتربوي بعيداً عن التهديد والتعنيف والتعامل الفوقي.

5. توعية واقعية وشفافة: تنظيم برامج تتناول العنف الجامعي، والتعصب، ورفاق السوء، والمخدرات، والعلاقات القائمة على الاحترام، وآداب الحوار والتعامل مع الزملاء وأعضاء هيئة التدريس، مع توضيح العقوبات المترتبة على المخالفات دون تهويل أو ترهيب.

6. إرشاد أكاديمي فاعل: مساعدة الطلبة على فهم الخطط الدراسية، ومتطلبات التخصص، وآليات التسجيل والحذف والإضافة، والإنذارات الأكاديمية، وأهمية تنظيم الوقت والتعلم الذاتي، حتى لا يفاجأ الطالب بمشكلات كان بالإمكان تجنبها.

7. أنشطة تصنع الانتماء:إشراك الطلبة في الأنشطة الثقافية والرياضية والفنية والتطوعية، وتشجيع المبادرات الطلابية والعمل الجماعي، بما يساعدهم على اكتشاف قدراتهم وتوظيف طاقاتهم في مجالات إيجابية.

8. جامعة تسمع طلبتها: تفعيل سياسة الباب المفتوح لدى الإدارات الأكاديمية، وتخصيص أوقات معلنة لاستقبال الطلبة، وتوفير خدمات الإرشاد النفسي والتربوي من خلال مختصين، مع التعامل الجاد مع الشكاوى والمشكلات.

9. تطوير ثقافة التعامل والاتصال: تدريب أعضاء هيئة التدريس والإداريين والعاملين في الأمن الجامعي على مهارات التواصل وحل النزاعات والتعامل التربوي مع الطلبة؛ فالاحترام المتبادل لا ينتقص من هيبة الجامعة، بل يعززها.

10. تطوير التربية الوطنية: الانتقال بهذا المساق من التلقين النظري إلى الممارسة، من خلال مبادرات تطوعية وأنشطة تخدم الجامعة والمجتمع، وترسخ قيم المواطنة والانتماء والمسؤولية واحترام القانون.

إن مسؤولية إدماج الطلبة الجدد لا تقع على عاتق دائرة شؤون الطلبة وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة بين إدارات الجامعات وأعضاء هيئة التدريس والأقسام الأكاديمية والمرشدين والطلبة أنفسهم. كما أن الأسرة شريك مهم في تعزيز الاستقلالية والانضباط واحترام الآخرين.

والأهم ألا ننظر إلى الطالب المستجد باعتباره رقماً في قوائم القبول، أو مورداً مالياً يسدد الرسوم، بل باعتباره مشروع إنسان ومواطن وصاحب مستقبل. فالجامعة ليست قاعات تدريس وشهادات فقط، وإنما بيئة لصناعة الوعي والشخصية والقيم، وبناء الإنسان القادر على التفكير والحوار وتحمل المسؤولية.

إن نجاح استقبال الطلبة لا يُقاس بعدد الكلمات الاحتفالية، بل بمدى اندماجهم، وشعورهم بالانتماء، وقدرتهم على التعلم والتفاعل الإيجابي، وانخفاض المشكلات التي يمكن الوقاية منها بالتوجيه المبكر. ومن هنا، فإن الاستثمار في الطالب منذ يومه الجامعي الأول ليس ترفاً إدارياً، بل ضرورة تربوية ووطنية، تعود نتائجها على الطالب والجامعة والمجتمع.
البيئة الجامعية التي تحترم الطالب وتعزز شخصيته وتحفز طاقاته الكامنة هي أساس للتقدم العلمي وصناعة أجيال المستقبل...المسلحة بالعلم والكفاءة والمهارات الحياتية والمتخصصة، والإبداع والاإبتكار… ولا يتحقق كل ذلك إلا بالتخطيط السليم… وجامعات تبحث عن طلبتها.. وتتلمس ظروفهم ومشاكلهم… لا إدارات تقبع في مكاتبها… وتصنع حواجز بينها وبين الطلبة.

حمى الله الأردن.



عدد المشاهدات : (3897)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :