أ.د طارق عبد القادر المجالي
تثار جملة من الأسئلة الثقافية الحائرة بانتظار الرد من المعنيين بالشأن الثقافي بعامة، ونَقَدَة الشعر وقارئيه وجمهوره بخاصّة، وتتمحور هذه الإشكالية المركزية في مفهوم الشعر العربي ومساره وسيرورته وطبيعته واتجاهاته وتحولاته الكبرى في الآونة الأخيرة.
ولو أخذنا المهرجانات الرسمية ومهرجانات المناسبات واحتفالات وزارة الثقافة نموذجا بهذا الشأن، حتما ستُطلُّ علينا من ثقوب جدرانها وخيامها وساحاتها أسئلةٌ مُدبّبة : - هل مات الشّعرُ حقّا؟ - أَمَا آنَ لبرذون القافية أنْ يكُفّ عن الصّراخ أمام الجدار؟ - ألَا مِن شفقة على حناجر الشّعراء التي تشقّقت من ضجيج المعنى الأوحد الوحيد؟ وما من رأفة على أقدامهم، وهي تخبط خشبة المسرح المهترئ لكثرة ما مَرّ عليه مِن (شعراء)؟! - ما الدّاعي للشعر أو النّظم طالما أنّ كثيرا من هؤلاء يستطيعون أن يقولوه نثرا جميلا؟ ولِم الإصرار على النظم وتسميته شعرا؟!
إنّ هذا النّوع من الشّعر المدرسيّ التقريريّ المُباشر بِصورِه الشعريّة المهزوزة، وبقوافيه البليدة، التي جُلِبت عُنوةً إلى بيت الطّاعة الزوجيّة عن طريق القاضي الشرعي ، وغياب الرؤيا وانعدام تقنيات الحداثة الشعرية .. وغير ذلك من الفضاءات الشعرية والبصرية، قد أفسد ذائقة الجمهور، وصارت القصيدة الجيدة لديهم، وخاصة في المناسبات الوطنية والدينية والقومية، هي الأكثر صخبًا وقرقعةً وجلبةً وضوضاءَ وتلوثًا سمعيًّا، وبالاحتيال على الجمهور لاستجداء التصفيق المُصطنع والمرتبط بحنجرة الشاعر، ولغة جسده، وإنْ لم تتمكن من القبض على فراشة الرؤيا، وحركة الّصورة، وانبثاق المعنى.
لقد باتت ظاهرة استسهال الكتابة عند معظم الشباب والشواب ، وبعض الشعراء الواقعينَ تحت ضغط المناسبات الدورية، والأعياد الوطنيّة نزفًا لغويًّا وترفًا ورقيًّا وصوتيًّا، وثرثرة على ضفاف الشّعر، لا حاجة للقارئ، ولا للمستمع فيها، سوى تعبئة برامج المهرجانات والاحتفالات بِلغة مُعجميّة أحادية الدلالة والمعنى، تَقصرُ عن استيعاب اللهفة والشّغف والمكابدة الحقيقية للشعر.
لحظةُ الإلهام غائبةٌ تماما عن المشهد الشعري، فلا المضمون النبيل وحده، ولا قيود القافية والوزن، ولا العواطف الجياشة والقواعد العروضية والتركيب النحوي وحدها، أو اجترار التكرار، وأنماط المحسنات، وتقليد السالفين، تصنع شعرًا وتُنتجُ قصيدة أصيلة مُتفردة. الشعر قلقٌ نفسيٌّ، وتوترٌ تيارُه الكهربيّ ضغطٌ عالٍ . الشّعر أحبائي، مخاضلٌ عسيرٌ وولادةُ القصيدة من الخاصرة، هو مكابدة وألم، وغيبوبة فكريّة وشعوريّة، لا تتأتّى إلا لقلّةٍ من المُبدعين الموهوبين، لا للكسالى الذين يرصفونَ حجارة الحروف على الورق، ويلتزمون المعاني المأنوسة على (شقلة) عمّال البلاط على الخيط تماما .
القصيدةُ كشفٌ، وفتحُ مسالكَ وقنواتٍ جديدةٍ في نهر الشعر الخالد، وأزمةُ صراعٍ أزليّ بين اللفظ والمعنى، لتفسير حقائق الكون والوجود والإنسان. هي معاناةُ الفرزدق الشاعر الذي قال عن معاناته في الشعر:" لَيَمُرُّ عليّ ساعة وقلْع ضِرس أسهلُ عليّ من بيت شعر" وهي في صعلكة الشّنفرى، وعزلة المعري، وألم السّياب وغربته، وعنفوان الجواهري، وتجربة درويش ومقاومته الجماليّة في اللغة، و في منافي البياتي ووجع البردّوني، ومأساة الحلاج، ومرض أمل دنقل، وغيرهم، ممّن رأوا في القصيدة أتُونا واحتراقا داخليّا، لا شهرة وإعجابا أو كسبا. لذا، ومن زاوية أكاديمية، أرى أنّ ما نسمعه اليوم ليس شعرا ، بل هو محاولات مستعجلة، لأصوات متشابهة، لم تُصقل بالقراءة، ولم تحترق بلظى التجربة.
وما على وزارة الثقافة، والمؤسسات التعليمية، إن كانت جادّة في هذا المضمار، إلّا أن تُعنى بمواهب الشباب الجادّة، وأن تُمكّنهم تدريبا وتثقيفا واطّلاعا على تجارب الشعراء الحقيقية، كما على شعراء الطّنين والرّنين البرّاق، وبعض شعراء التلفزيون والمنصّات الذين نالوا أكثر ممّا يستحقون من مناصبَ إعلاميّةٍ وشهرةٍ خُلّب، أن يتوقفوا عن الهدير اللغويّ، وأن يتحولوا إلى أجناس وأشكال أدبية أخرى قد تكون لهم أجدى. فالشعر حصانٌ جامحُ صعبُ التطبيع والترويض والإلجام، فهو غزالة العرب البريّة الأزليّة التي تتمرد على العلف والحظيرة!
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |