بقلم عمر الدريني
الطفل الذي لم يجد نفسه في الكتاب قد يقول معلم عن طالب: «لا يحب القراءة»، وقد تتكرر الجملة حتى تصبح حكمًا نهائيًا، مع أن الحقيقة ربما تكون أبسط بكثير: الطفل لم يجد بعد الكتاب الذي يشبهه. هذه المسافة الصغيرة بين العبارتين تصنع فرقًا كبيرًا. فالطالب الذي يرفض رواية طويلة قد يلتهم كتابًا عن كرة القدم، والذي يمل من القصص الأدبية قد ينجذب إلى الفضاء أو الحيوانات أو الاختراعات والذي لا يطيق صفحات الكتاب المدرسي قد يجد نفسه في سيرة إنسان بدأ فقيرًا ثم صنع شيئًا استثنائيًا في حياته.
المشكلة ليست دائمًا أن الطفل لا يحب القراءة؛ ربما أننا لم نسأله بما يكفي: ماذا تحب؟ وفي اليوم الوطني للقراءة في الأردن، الذي يصادف التاسع والعشرين من أيلول، تبدو هذه الفكرة أكثر إلحاحًا، فالمناسبة جاءت رسميًا لتشجيع القراءة وجعلها عادة يومية، بما يعني أن الغاية ليست إجبار الناس على كتاب بعينه، وإنما بناء علاقة مستمرة مع المعرفة. ولعل أول خطأ نرتكبه أننا نتعامل مع القراء كما لو كانوا نسخة واحدة.
نريد من الجميع الكتاب نفسه، والمدة نفسها، والطريقة نفسها، والنتيجة نفسها، ثم نستغرب عندما يهرب بعض الأطفال من الكتاب. لكن القراءة مثل الأبواب؛ ليس مطلوبًا أن يدخل الجميع من الباب ذاته. هناك طفل يقرأ كي يكتشف، وآخر يقرأ كي يحلم، وثالث يقرأ كي يفهم، ورابع يقرأ لأنه يبحث عن إجابة لسؤال لا يستطيع طرحه بصوت عال، وبعض الأطفال لا يعرفون أصلًا أنهم يحبون القراءة حتى يقع الكتاب المناسب في أيديهم. ولهذا فإن المكتبة المدرسية يمكن أن تكون أكثر من مكان للكتب، يمكن أن تكون مساحة لاكتشاف الذات، أن يدخل إليها الطالب دون أن يعرف ماذا يريد، ثم يخرج منها وفي يده كتاب، وربما في رأسه سؤال جديد.
المعلم هنا ليس موزعًا للكتب، بل مكتشفًا للميول، والمكتبي ليس حارسًا للرفوف، بل شخصًا يساعد الطالب على العثور على الكتاب الذي يفتح له الباب الأول. وقد أشار البرنامج الوطني المرتبط بالقراءة ومبادراتها في الأردن إلى أهمية جعل المكتبة مساحة تشجع على القراءة، فيما جاءت مبادرات مثل ماراثون القراءة لتقدم الفعل القرائي بطريقة تفاعلية وممتعة. لكن ثمة أمرًا آخر يجب أن ننتبه إليه: لا ينبغي أن نحول القراءة إلى امتحان جديد.
إذا قرأ الطفل قصة ثم سألناه فورًا عن الشخصيات والأحداث والعبرة والمفردات، فقد نقتل اللحظة التي أحب فيها القصة، وإذا اضطر إلى كتابة تقرير عن كل كتاب يقرأه، فقد يتعلم شيئًا عن التقارير، لكنه قد يخسر شيئًا أهم: متعة القراءة نفسها.
نحن بحاجة إلى قارئ يستطيع أن يقول: «أحببت هذا الكتاب»، وأن يقول أيضًا: «لم يعجبني»، وأن يعرف لماذا، نحتاج قارئًا يناقش، ويختلف، ويغيّر رأيه، ويبحث عن كتاب آخر عندما ينتهي من الأول. فالقراءة ليست عددًا نضعه في سجل؛ إنها أثر يظهر في طريقة الإنسان في النظر إلى العالم. وقد يكون أعظم نجاح لمدرسة أن يأتيها طالب كان يظن أنه لا يحب القراءة، ثم يخرج منها بعد سنوات وهو يقول: «هناك كتاب أحببته». لا نعرف أي كتاب سيكون ذلك الكتاب. لكننا نعرف أن مهمتنا ليست أن نضع الكتاب في يد الطفل فقط؛ مهمتنا أن نساعده على العثور على نفسه بين صفحاته. فحين يجد الطفل الكتاب الذي يشبه سؤاله، تبدأ القراءة. وحين يجد نفسه فيه، تبدأ الحكاية.
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |