شارع الستين… طريقٌ حيوي بلا مواصلات، ومعاناة يومية تنتظر الحل


رم -

ليس من المنطقي أن يكون هناك طريقٌ بهذا الحجم والأهمية، يخدم مناطق سكنية وصناعية وتجارية ومؤسسات حكومية وأمنية وصحية، ويربط العاصمة عمّان بالطرق المؤدية إلى السعودية والعراق، ثم يبقى في الوقت ذاته خاليًا من أي شبكة نقل عام تخدم مستخدميه والعاملين في المنشآت الممتدة على جانبيه.

 

إنه شارع الستين، الطريق الذي يمر عبر مناطق القويسمة وسحاب والموقر، والذي أصبح شريانًا حيويًا للحركة الاقتصادية والخدمية في هذه المناطق، لكنه ما يزال يعاني نقصًا واضحًا في واحدة من أبسط الخدمات التي يحتاجها المواطن يوميًا: وسائل النقل العام. طريقٌ حيوي… وخدمة غائبة تزداد المفارقة وضوحًا عندما ننظر إلى طبيعة المنشآت والمواقع التي يخدمها هذا الطريق. فعلى امتداد شارع الستين، أو بالقرب المباشر منه، توجد مجموعة كبيرة من المواقع الحيوية، من بينها السوق المركزي، وصوامع الحبوب، والتجمعات الصناعية، ومستشفى الدكتور جميل التوتنجي، ومدينة الملك عبدالله الصناعية في سحاب، والمقبرة الإسلامية، وترخيص سحاب، والمدينة التدريبية، ومدينة الملك عبدالله الصناعية في الموقر، وسجنا الموقر الأول والثاني، إلى جانب العديد من المنشآت التجارية والصناعية والمستودعات والمرافق المختلفة.

 

هذه المواقع لا تخدم فئة محدودة من الناس، وإنما تستقبل يوميًا أعدادًا كبيرة من الموظفين والعاملين والمراجعين والمواطنين، فضلًا عن سكان المناطق والبلدات والتجمعات السكانية المحاذية للطريق، والذين يعتمد كثير منهم على النقل العام للوصول إلى أماكن عملهم وقضاء احتياجاتهم. ومع ذلك، يجد المواطن نفسه أمام طريق رئيسي وحيوي، لكنه لا يجد عليه وسيلة نقل عام منتظمة توصله إلى وجهته. المواطن أمام خيارين… وكلاهما مرهق المشكلة لا تتوقف عند غياب الحافلات أو وسائط النقل على شارع الستين، وإنما تتسبب في سلسلة كاملة من المعاناة اليومية.

فالموظف الذي يعمل في إحدى المؤسسات أو المدن الصناعية الواقعة على الطريق، ولا يمتلك مركبة خاصة، يجد نفسه مضطرًا إلى مغادرة منزله والتوجه أولًا إلى طريق سحاب–أبو علندا أو إلى نقاط أخرى بعيدة نسبيًا، فقط حتى يتمكن من العثور على وسيلة نقل تقله إلى مكان عمله. وهذا يعني وقتًا إضافيًا، وتكلفة إضافية، وجهدًا إضافيًا، فضلًا عن اضطراره أحيانًا إلى استخدام أكثر من وسيلة نقل للوصول إلى مكان واحد. أما في ساعات الصباح الباكر، أو بعد انتهاء ساعات العمل، فتزداد المعاناة بصورة أكبر، خصوصًا للعاملين في المنشآت التي تتطلب دوامًا مبكرًا أو دوامًا مسائيًا أو بنظام المناوبات.

 

وهنا لا يعود الأمر مجرد مسألة راحة أو رفاهية؛ بل يتحول النقل العام إلى ضرورة أساسية مرتبطة بحق المواطن في الوصول إلى عمله وخدماته بأمان وبكلفة معقولة. المدن الصناعية وحدها كافية لتبرير شبكة نقل إذا أخذنا المدن الصناعية الواقعة في سحاب والموقر مثالًا، فإن حجم العمالة والموظفين فيها يجعل من الصعب تبرير غياب شبكة نقل عام تخدم هذه المواقع.

فالمدن الصناعية ليست مجرد مناطق بعيدة عن التجمعات السكانية؛ إنها مراكز اقتصادية تضم عشرات المنشآت ومئات وآلاف العاملين بصورة مباشرة وغير مباشرة. وكل موظف أو عامل يضطر إلى استخدام مركبته الخاصة بسبب غياب النقل العام يعني زيادة في أعداد المركبات على الطرق، وزيادة في الازدحام واستهلاك الوقود والتكاليف التشغيلية، في الوقت الذي يمكن فيه للنقل العام المنظم أن يخفف جزءًا من هذا الضغط، ويمنح المواطنين خيارًا أكثر اقتصادية واستدامة.

 

كما أن توفير النقل العام إلى هذه المناطق من شأنه أن يساعد أصحاب المصانع والمنشآت في الوصول إلى شريحة أكبر من العمالة، ويقلل من مشكلة صعوبة الوصول إلى أماكن العمل، خصوصًا بالنسبة للأشخاص الذين لا يمتلكون مركبات خاصة. الحل ليس مستحيلًا المطلوب هنا ليس إنشاء مشروع ضخم ومعقد، وإنما إعادة النظر في شبكة النقل العام الحالية وتوسيعها لتشمل شارع الستين بصورة منظمة ومدروسة.

 

ومن الممكن البدء بحلول عملية، منها:

أولًا: إنشاء خط نقل عام رئيسي على امتداد شارع الستين، يبدأ من نقطة مرتبطة بشبكة النقل في القويسمة أو سحاب، ويمتد باتجاه الموقر، مع محطات واضحة ومحددة على الطريق.

ثانيًا: ربط الخط بالمناطق الصناعية والمؤسسات الحيوية، بحيث تتوقف وسائط النقل بالقرب من مدينة الملك عبدالله الصناعية في سحاب، وترخيص سحاب، ومستشفى الدكتور جميل التوتنجي، والمدينة التدريبية، ومدينة الملك عبدالله الصناعية في الموقر، وغيرها من المواقع ذات الكثافة العالية للموظفين والمراجعين.

ثالثًا: توفير خدمة نقل منتظمة في أوقات الذروة، ولا سيما ساعات الصباح التي يتوجه فيها الموظفون والعمال إلى أعمالهم، وساعات المساء عند انتهاء الدوام.

رابعًا: إنشاء نقاط ومحطات آمنة للصعود والنزول، بدل ترك المواطنين على قارعة الطريق يبحثون عن وسيلة نقل أو يضطرون إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى أقرب نقطة مواصلات.

خامسًا: دراسة إمكانية تشغيل حافلات متوسطة أو حافلات سريعة وفقًا لحجم الطلب، بدل الاعتماد فقط على وسائط النقل الصغيرة.

سادسًا: إجراء دراسة ميدانية حقيقية لأعداد مستخدمي الطريق، تشمل الموظفين والعاملين وسكان المناطق المحاذية، وأوقات تنقلهم ووجهاتهم، ومن ثم تصميم مسارات النقل بناءً على البيانات الفعلية، لا على التقديرات. النقل العام ليس ترفًا إن توفير وسائل النقل العام على شارع الستين لا ينبغي أن يُنظر إليه على أنه خدمة إضافية أو مطلب ثانوي. فالمواطن الذي يخرج من منزله قبل ساعات عمله بوقت طويل، ويضطر لاستخدام أكثر من وسيلة نقل للوصول إلى عمله، ثم يكرر الرحلة ذاتها عند عودته، يدفع ثمنًا من وقته وماله وجهده بسبب غياب خدمة يفترض أن تكون جزءًا أساسيًا من التخطيط الحضري والنقل في المناطق الحيوية. كما أن حق الوصول إلى العمل لا ينبغي أن يكون مرتبطًا بامتلاك سيارة. فليس كل موظف أو عامل قادرًا على شراء مركبة، وليس من العدل أن يصبح امتلاك السيارة شرطًا غير معلن للوصول إلى المدن الصناعية والمؤسسات والمرافق الواقعة على طريق رئيسي.

 

المطلوب تحرك مؤسسي لا حلول مؤقتة إن معالجة هذه المشكلة تتطلب تعاونًا بين الجهات المعنية بالنقل والبلديات والجهات المحلية، إلى جانب الاستماع إلى المؤسسات والمنشآت الموجودة على امتداد الطريق. ويمكن البدء بتشكيل دراسة مشتركة لمسار شارع الستين، وتحديد نقاط التجمع السكاني والوظيفي، ثم اعتماد مسار أو أكثر للنقل العام وفق جدول زمني واضح، مع تقييم أعداد الركاب والإقبال على الخدمة بعد تشغيلها. كما يمكن إشراك المدن الصناعية وأصحاب المنشآت الكبرى في هذه الدراسة، نظرًا لأنهم من أكثر الجهات استفادة من وجود وسيلة نقل منتظمة تخدم العاملين لديهم.

 

شارع الستين يستحق أن يكون جزءًا من شبكة النقل إن الحديث عن تطوير النقل العام في العاصمة والمناطق المحيطة بها لا يكتمل دون الالتفات إلى شارع الستين. فهذا الطريق ليس شارعًا فرعيًا أو طريقًا محدود الاستخدام؛ إنه محور يمر بمناطق سكنية وصناعية وتجارية، ويخدم مؤسسات حكومية وأمنية وصحية ومرافق اقتصادية مهمة، ويرتبط بشبكة طرق ذات أهمية وطنية باتجاه السعودية والعراق. ومن غير المقبول أن يبقى المواطن الذي يعمل أو يسكن بالقرب منه مضطرًا إلى تغيير مساره والذهاب إلى طرق أخرى بحثًا عن وسيلة نقل.

 

المطلوب اليوم ليس أكثر من وضع شارع الستين على خريطة النقل العام، ودراسة احتياجاته بجدية، ثم إطلاق شبكة نقل منتظمة وآمنة وفعالة تخدم المواطنين والعاملين في هذه المنطقة. فالنقل العام ليس مجرد حافلة تمر في شارع؛ إنه فرصة عمل، وحق في الوصول، وتخفيف للكلفة، وتقليل للازدحام، ودعم للاقتصاد المحلي، وتحسين لجودة حياة آلاف المواطنين. وشارع الستين، بكل ما يحتضنه من مؤسسات ومدن صناعية ومرافق حيوية، يستحق هذه الخدمة. فإذا كان الطريق يخدم الاقتصاد، والمؤسسات، والمواطنين، والعاملين، فمن حق هؤلاء جميعًا أن يجدوا وسيلة نقل تخدمهم أيضًا. بقلم: علاء علي محمد الحويزان




عدد المشاهدات : (261)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :