الزعبي يكتب : رمضان… حين تتطهّر الروح قبل الجسد


رم -

بقلم: محمد خالد الزعبي

لا يطلّ هذا الشهر على التقويم فحسب، بل يهبط على الوجدان هبوط المعنى على الكلمة. يأتي هادئًا، بلا ضجيج، لكنه يُحدث في الداخل رجّة خفيّة تعيد ترتيب الأشياء. يبطئ إيقاع الأيام، ويمنح الوقت فسحة نادرة كي يرى الإنسان نفسه كما هي، بعيدًا عن الأقنعة والاستعجال والتبريرات الجاهزة

ليس الأمر امتناعا عن طعامٍ وشراب بقدر ما هو انقطاعٌ عن الضوضاء الكامنة في الأعماق هو صومٌ عن فائض الرغبات، وعن الكلمات التي تُقال بلا ضرورة، وعن الغضب الذي يتسلّل إلى التفاصيل الصغيرة. في مدرسته يتعلّم المرء أن يؤجّل نزوة ليحفظ قيمة، وأن ينتصر على اندفاعه ليصون اتزانه، وأن يدرك أن الحرية الحقيقية لا تُقاس بما نفعل، بل بما نملك القدرة على تركه

في لياليه تنكشف الحقائق ببساطة مدهشة دعاءٌ يُهمس به في العتمة أصدق من خطبٍ مدوّية، وصدقةٌ تُعطى في خفاء أبقى أثرًا من صورةٍ عابرة، ودمعةٌ في سجودٍ طويل تختصر مسافة عامٍ كامل حين تصطفّ الأكتاف في المساجد، تتراجع الفوارق الاجتماعية، وتسقط الألقاب، ويبقى الإنسان مجرّدًا من كل امتياز، واقفا بضعفه واحتياجه أمام خالقه هناك فقط يتّضح المعنى: لسنا بما نملك، بل بما نُحسن

ومع اقتراب ختامه، تتقدّم ليلةٌ استثنائية تتجاوز في رمزيتها حدود الزمن؛ ليلةُ القدر، التي لا تُقاس بساعاتها بل بما تفتحه من أبواب الرجاء هي لحظة صفاءٍ كثيف، يعلو فيها همس الدعاء فوق كل ضجيج، ويشعر القلب أنّ السماء أقرب مما يظن. في تلك الساعات، لا يبحث الإنسان عن معجزةٍ خارجية بقدر ما ينتظر التحوّل في داخله؛ أن تُغفر زلّة، وأن تُمحى قسوة، وأن يُكتب له بدءٌ جديد

ليلةٌ تُعلّمنا أن القيمة لا تُختزل في الكثرة، بل في البركة؛ وأن لحظة صدقٍ واحدة قد تغيّر مسار عمرٍ كامل. فيها تتكثّف معاني الرحمة، ويغدو الرجاء فعلًا حيًّا لا أمنية بعيدة من أدركها بقلبٍ حاضر، أدرك أن الطريق إلى النور يبدأ بخطوة صادقة، وأن أعظم الانتصارات هي تلك التي تتحقّق في الخفاء بين العبد وربّه

وحين يُعاش هذا الموسم بهذا الوعي، لا ينتهي بانقضاء أيامه، بل يترك أثرًا ممتدًا في السلوك والقرار يصبح الإنسان بعده أكثر صفاءً، وأكثر اتزانًا، وأكثر قدرة على أن يختار الخير لا لأنه مُلزَم به، بل لأنه تذوّق معناه حقًا

اللهم اجعل لنا في هذه الأيام نصيبًا من الرحمة لا ينقطع، ومغفرةً تمحو ما أثقل القلوب، ونورًا يهدي خطانا في السرّ والعلن اللهم تقبّل صيامنا وقيامنا، واكتب لنا في ساعات الإجابة دعاءً لا يُردّ، وقلبًا لا يقسو، وبدايةً جديدة تليق بكرمك وعفوك يا ربّ العالمين



عدد المشاهدات : (4327)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :