رم - كشفت مصادر دبلوماسية مطلعة على جهود الوساطة بين واشنطن وطهران، عن توجه إيراني لإطالة أمد المفاوضات مع الولايات المتحدة، عبر طرح مسودات متعددة للمقترحات وإدخال تعقيدات وشروط متشابكة عليها، في إطار خطة يتولى تنفيذها أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، محسن رضائي، بتوجيهات من المرشد مجتبى خامنئي، وبتنسيق مع الحرس الثوري.
وقالت المصادر، في تصريحات خاصة لـ"إرم نيوز"، إن إسناد دور محوري لرضائي في إدارة الملف التفاوضي لا يستهدف بالضرورة تسريع الوصول إلى اتفاق، بل يهدف إلى توسيع حلقات التفاوض وتعدد مستوياتها، بما يسمح لطهران بكسب مزيد من الوقت دون تقديم تنازلات جوهرية أو الوصول إلى صيغة نهائية للتفاهم مع واشنطن.
وبحسب المصادر، تقوم الخطة على إعداد مسودات متعاقبة تتضمن ثغرات ونقاط خلاف قابلة لإعادة التفاوض، بما يؤدي إلى استمرار الوساطات وتكرار جولات النقاش، مع إبقاء فرص التوصل إلى اتفاق قريب محدودة.
الحرس الثوري يمسك بخيوط التفاوض
وتشير المصادر إلى أن صعود رضائي في الملف التفاوضي يعكس تحولا داخل دوائر صنع القرار الإيراني، بعدما ظل رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف يتولى قيادة المسار التفاوضي مع واشنطن خلال الأشهر الماضية.
غير أن التطورات الأخيرة أظهرت تنامي نفوذ رضائي، خصوصا بعد توجيه نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس رسالة بشأن استئناف المباحثات إلى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، في خطوة عززت التكهنات بشأن انتقال مركز الثقل التفاوضي من قاليباف إلى رضائي.
وتزامن ذلك مع دعوة عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، محمود نبويان، إلى إعادة النظر في تشكيلة الفريق المفاوض مع الولايات المتحدة، محذرا من تكرار ما وصفها بالأخطاء السابقة الناجمة عن التفاؤل المفرط تجاه واشنطن، والتي قال إنها كبدت بلاده خسائر كبيرة.
ويرى دبلوماسي مطلع على الوساطة أن اختيار رضائي يحمل رسالة سياسية وأمنية واضحة، مفادها أن الحرس الثوري بات صاحب التأثير الأوسع في تحديد سقف المطالب الإيرانية، وأن أي تفاهم مع واشنطن يجب أن يراعي بصورة مباشرة مصالح المؤسسة العسكرية والأمنية المرتبطة بمكتب المرشد.
وأوضح الدبلوماسي لـ"إرم نيوز" أن رضائي يُعرف بتبنيه شروطا تفاوضية مرتفعة السقف، وأن تقدمه في إدارة المباحثات يعكس توجها نحو التشدد في المطالب، والحد من فرص تقديم تنازلات قد لا تحظى بموافقة الحرس الثوري.
وأضاف أن الدور الذي يسعى الحرس إلى ترسيخه لا يقتصر على مضيق هرمز والعقوبات والملفات الاقتصادية، بل يمتد إلى ربط أي اتفاق محتمل بالترتيبات الأمنية في المنطقة، ولا سيما الجبهات التي ينشط فيها فيلق القدس والجماعات المتحالفة مع إيران.
وبحسب الدبلوماسي، تريد طهران أن يشمل أي تفاهم بشأن وقف إطلاق النار مختلف ساحات المواجهة، بما يتيح إعادة ترتيب مواقع حلفائها ونفوذهم خلال المرحلة المقبلة، خصوصا الفصائل المسلحة الموالية لها في العراق وحزب الله في لبنان.
مركز قرار جديد.. وقاليباف خارج الصدارة
وفي قراءة لأبعاد هذا التحول، قال الخبير في الشؤون الإيرانية محمد خنجي إن انتقال مركز الثقل التفاوضي إلى رضائي لا يبدو مجرد تغيير في أسماء المسؤولين، وإنما يعكس محاولة لتجميع ملفات الحرب والبرنامج النووي ومضيق هرمز والمفاوضات داخل مركز قرار واحد، هو المجلس الأعلى للأمن القومي، الأكثر اتصالا بمكتب المرشد مجتبى خامنئي.
وأوضح خنجي لـ"إرم نيوز" أن نفوذ رضائي بات يتجاوز صلاحياته الإدارية، بعدما تولى إدارة اتصالات أمنية إقليمية، وطرح الشروط الإيرانية السبعة لإنهاء الحرب، قبل أن يحمل رسالة من خامنئي إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
وأشار إلى أن مباحثات رضائي في موسكو شملت الحرب ومستقبل مضيق هرمز والترتيبات الأمنية الإقليمية لمرحلة ما بعد القتال، بما يعزز موقعه بوصفه حلقة وصل بين القرار العسكري والسياسي والدبلوماسي.
ويرى خنجي أن القيادة الإيرانية تبحث عن مفاوض يجمع الخبرة الأمنية والنفوذ السياسي، ويستطيع الربط بين العقوبات والردع العسكري والملف النووي والأمن الإقليمي، بدلا من الاكتفاء بقناة دبلوماسية تقليدية.
وأضاف أن هذا التوجه يهدف أيضا إلى توحيد القرار ومنع تضارب مراكز القوة داخل النظام، دون الحاجة بالضرورة إلى إعلان رسمي بإقصاء قاليباف من المفاوضات.
ورغم التكهنات المتزايدة بشأن تراجع دور رئيس البرلمان، نفت طهران حدوث تغيير رسمي في قيادة الفريق المفاوض، وهو ما يجعل صعود رضائي مؤشرا على إعادة توزيع النفوذ داخل الملف، وليس دليلا قاطعا على استبعاد قاليباف نهائيا.
شروط متعارضة تعرقل الاتفاق
وحول فرص تحقيق اختراق في المفاوضات، أوضح خنجي أن العقبة الأساسية لا تكمن في هوية المفاوض الإيراني بقدر ما ترتبط بالخلاف بشأن ترتيب تنفيذ الالتزامات.
فطهران، بحسب خنجي، تريد إعطاء الأولوية لتخفيف العقوبات والإفراج عن أموالها المجمدة ومعالجة ملف مضيق هرمز، قبل الانتقال إلى مفاوضات أوسع، في حين تسعى واشنطن إلى إدراج الملف النووي منذ المراحل الأولى لأي تفاهم.
واعتبر أن تركيز الصلاحيات بيد رضائي قد يختصر بعض مراحل اتخاذ القرار داخل طهران، لكنه لا يضمن التوصل إلى اتفاق ما دامت الشروط الإيرانية مطروحة باعتبارها متطلبات مسبقة لا تقبل التفاوض.
وأكد أن فرص الاختراق ستظل مرتبطة بإمكانية تحويل الشروط السبعة إلى خطوات متبادلة ومتزامنة، بدلا من الإصرار على تنفيذها بالكامل قبل المضي في التسوية.
هل يزيح الحرس الثوري الحكومة عن المشهد؟
من جانبه، رأى الباحث في الشؤون الإقليمية، الدكتور محمد المذحجي، أن تعيين رضائي أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي، ثم اتساع أدواره التفاوضية، يعكسان تعاظم سيطرة الحرس الثوري على السياسة الخارجية الإيرانية.
وقال المذحجي لـ"إرم نيوز" إن رضائي يتحرك حاليا بصلاحيات ونفوذ يجعلان منه أحد أبرز مراكز القوة الفعلية داخل النظام، معتبرا أن ما يجري بدعم من الحرس الثوري يشبه انقلابا داخل بنية القرار السياسي، يستهدف تهميش دور الحكومة في الملفات الأكثر حساسية.
وأضاف أن تراجع حضور قاليباف، الذي كان يعمل على الدفع باتجاه إبرام صفقة مع واشنطن، يعكس اتساع نفوذ الجناح الأكثر تشددا داخل المؤسسة الحاكمة، خصوصا الأطراف التي ترفض تقديم تنازلات تمس مصالح الحرس الثوري وموقعه في النظام.
وبحسب المذحجي، فإن إعادة ترتيب الفريق المسؤول عن التفاوض جاءت في ظل مخاوف داخل الدائرة المحيطة بالمرشد من أن تستهدف إدارة ترامب، عبر أي اتفاق محتمل، تقليص نفوذ الحرس الثوري تمهيدا لإضعاف دوره في بنية السلطة الإيرانية.
ويرى الباحث أن هذه المخاوف دفعت القوى الأكثر تشددا إلى التمسك بسقف مرتفع من المطالب، لا يتناسب مع حجم التنازلات التي قد تكون واشنطن مستعدة لتقديمها.
واعتبر أن اتساع الفجوة بين شروط الطرفين، إلى جانب تصاعد تأثير الحرس الثوري في إدارة المباحثات، يجعل فرص الوصول إلى اتفاق قريب محدودة، ويُبقي احتمالات تجدد التصعيد العسكري قائمة.