الأمان الذي يجمعنا: من حمود إلى عمّان


رم -

بقلم:عمر الدريني

ليست كل الأخبار التي تفجعنا أخبارًا عابرة؛ بعضها يوقظ فينا إحساسًا كنا نظنه مستقرًا، ويجعلنا نعيد النظر في تفاصيل اعتدنا مرورها أمام أعيننا دون أن نتوقف عندها، وحين يصلنا خبر استشهاد رجل أمن أثناء أداء واجبه، لا يعود السؤال متعلقًا بما حدث وحده، بل يمتد إلى معنى الأمان الذي نعيشه، وإلى أولئك الذين يقفون في مواقع المسؤولية كي يبقى هذا الأمان حاضرًا في حياتنا.

 

حين يفقد الوطن واحدًا من أبنائه في ميدان الواجب، تتجاوز الخسارة حدود المؤسسة التي ينتمي إليها، فخلف الزي الرسمي إنسان له عائلة تنتظر عودته، وبيت اعتاد وجوده، وأحلام لم تنته بعد، وربما لا يفكر المارّة كثيرًا في رجل الأمن الذي يقف عند مدخل مؤسسة أو يتابع حركة السير في شارع مزدحم، لكن غيابه المفاجئ يكشف لنا أن وراء المشهد اليومي أشخاصًا يتحملون مسؤوليات قد لا نعرف حجمها، ويدفعون من أعمارهم وطمأنينتهم ثمنًا باهظًا لأداء واجباتهم.

 

إن استشهاد أحد مرتبات الأمن العام إثر اعتداء في العاصمة حادثة مؤلمة تستحق الوقوف عندها بمسؤولية، بعيدًا عن الاستنتاجات المتسرعة والروايات التي تتناقلها المنصات قبل اكتمال الصورة، فالتحقيق هو الطريق إلى كشف الملابسات، والقانون هو المرجعية في تحديد المسؤوليات ومحاسبة المتورطين، لكن انتظار الحقيقة لا يمنعنا من طرح سؤال لا يقل أهمية عن تفاصيل الحادثة: هل نمنح الذين يتولون حماية المجتمع ما يستحقونه من حماية ورعاية وتقدير؟ لقد اعتدنا أن ننظر إلى رجل الأمن من زاوية الواجب الذي يؤديه، وأن ننتظر منه الحزم والجاهزية وسرعة الاستجابة، وربما ننسى أحيانًا أن هذه المتطلبات لا تنتقص من حقيقة أنه إنسان، وأن طبيعة عمله لا تعني أن يواجه المخاطر وحده، فالمؤسسة الأمنية القوية لا تُقاس فقط بقدرتها على الاستجابة للأحداث، وإنما أيضًا بمدى استعدادها لحماية منتسبيها، وتوفير التدريب والتجهيز المناسبين لهم، ومراجعة إجراءات السلامة، وتقديم المساندة المهنية والنفسية التي يحتاجون إليها، فحماية من يحمينا ليست امتيازًا وظيفيًا، بل جزء أصيل من مسؤولية المؤسسة تجاه أبنائها.

 

ولعل ما يستحق أن نتأمله أكثر هو أن تقدير رجل الأمن لا ينبغي أن يبدأ عند استشهاده، ولا أن ينتهي بانقضاء مراسم العزاء، فالقيمة الحقيقية للتقدير تظهر في سلوكنا اليومي: في احترام التعليمات، وعدم الاعتداء اللفظي أو الجسدي على العاملين في الميدان، وعدم التعامل مع أداء الواجب باعتباره خصومة شخصية، وفي إدراك أن رجل الأمن ليس طرفًا في خلاف عابر، بل إنسان يؤدي مهمة تتصل بسلامة الآخرين، ومن المؤلم أن نرفع صور التضامن بعد الحوادث، ثم نعود إلى ممارسات لا تنسجم مع ما أعلناه من احترام وتقدير.

 

وفي المقابل، فإن الحزن على الشهيد لا ينبغي أن يتحول إلى مساحة للشائعات أو الانفعالات أو إطلاق الأحكام على أفراد أو جماعات قبل ظهور نتائج التحقيق، فليس من الوفاء لمن فقدناه أن نضيف إلى ألم الحادثة اضطرابًا جديدًا، أو أن نسمح لمنصات التواصل باستبدال الحقيقة بتأويلات لا تستند إلى دليل، قوة المجتمع تظهر حين يضبط انفعاله دون أن يتنازل عن حقه في معرفة الحقيقة، وحين يطالب بالمحاسبة دون أن يغادر إطار القانون.

 

إن الأمن ليس مسؤولية جهاز بعينه، وإن كانت المؤسسات المختصة تتحمل مسؤوليتها المباشرة في حفظه، بل هو ثقافة تتكون من احترام القانون، والوعي بالحقوق والواجبات، والثقة المتبادلة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وحين يشعر المواطن أن القانون يحميه، ويشعر رجل الأمن أن المجتمع يسانده وأن المؤسسة تحميه، يصبح الأمان أكثر رسوخًا من أن تهزه حادثة أو تضعفه شائعة.

 

من حمود إلى عمّان، ومن كل موقع يقف فيه رجل أمن لأداء واجبه، تتسع دلالة الحكاية لتذكرنا بأن الأمان الذي يجمع الأردنيين لا يُختزل في حضور الزي الرسمي في الشوارع، ولا في الإجراءات والتعليمات وحدها؛ إنه ثمرة مسؤولية متبادلة، تبدأ من مؤسسة تؤدي واجبها وتحمي منتسبيها، وتمتد إلى مواطن يحترم القانون ويقدّر الإنسان الذي يقف في خدمته.

 

رحم الله شهيد الواجب العريف جواد السلايطة وشهداء الوطن جميعا، وحفظ الأردن وأهله، وأعاد كل من يحمل أمانة الواجب إلى أسرته سالمًا، فليس أصدق وفاء لمن رحل أن نحسن رثاءه فحسب، بل أن نراجع ما يمكن مراجعته، ونحمي من بقي في الميدان، وندرك أن الأمان لا يُقاس فقط بما نشعر به حين يسود الهدوء، بل أيضًا بما نبذله جميعًا حتى لا يدفع أحد حياته ثمنًا لغياب الحماية.




عدد المشاهدات : (1494)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :