فسفسة ألـ(face book)


رم -

أ.د طارق عبد القادر المجالي

 هل فكرت يا من تحمل هاتفك المحموم أو خنجرك المسموم، لا فرق ، بما تنشره وتصوّره وتذيعه وتُشيعه وتبيعه؟ ماذا لو كنت أمّا لذلك الجندي البطل، وهي ترى ابنها مسجى على الرصيف ببزته العسكرية من خلال صورك وأشرطتك لأول وهلة؟ ما شعورك لو كنتَ أبًا لهذا الشهيد، وأنت تزفُّ بشرى وفاته في صفحتك الهوجاء بحثا عن حفنة من الدولارات أو حفنة من إعجاب الساذجين ولايكات المغفلين؟ إنّ هذا الموقف المزري المتكرر المتنامي يوميا من الصّحفيين الأغرار الأشرار وهواة الميديا ونشر الأخبار داءٌ ليس له علاج إلا بالكيّ؛ كيّ أيديهم بالقيود، وكيّ جيوبهم بالنقود !

 

لقد دخل هذا أل( face book) أدمغتنا وأدمغة هواتفنا الغبية والذكية، بحكم الواقع المؤلم المعيش، فعاث بها ومدّ رجليه، وأرخى رسنه وفك لجامه ونام، بعد أن استوثق من الإحكام وقسوة القيد والأحكام! كيف لهذا (الفسفوس) بفسفسته، وله من اسمه نصيب، فهو من سلالة تلك الحشرة المستفزة التي قد لا تُرى عيانا، لكنّ أثر ندوبها يُصمي ويدمي ويعمي. بل يثير الدم في عروقنا، فيجعلنا فريسة للتخبط والتصرف العشوائي وبحركات لا إرادية بحثا عمّا لا يرى، وقد جمّل صورته من أطلق عليه ذبابا إلكترونيا؛ لأنّه أقلُّ خطرا ممّا أطلقت عليه (القمل الالكتروني) الذي يتسرّب كأسراب النمل في عقولنا جميعا، وليس من حلّ لهذا (القمل) إلا بحرق أثاث عقولنا بنفط الوعي، وحرق صوره المفبركة والملعوب فيها بنار الفطنة، وأن نطفئ الفتنة وما خلفته من دمار أسري ومجتمعي بماء التروي والعفو والتغاضي والإهمال .

 

(كتاب الوجوه) كما في ترجمته إلى العربية، اسم على مسمّى، وليته اكتفى بالمنافق ذي الوجهين، بل تعددت وجوهه وامتلأت بالأصباغ، واختلطت فيها أنواع المساحيق المصنّعة فغدت صفحة وجهه كوجه راقصة شمطاء تبدل إهابه المترهل المتهدل عند كل لقاء! إنّ ساعة تخلو فيها بنفسك مع هذا العفريت الأزرق، بأنيابه الزُّرق المُعوجّة تجعلك مصابا بالانفصام والقلق والتوتر واللذة العابرة، والخبر المثير، وكشف المستور، ونصرة الغادر على المغدور...

 

إنّه ينقلك على بساط رياحه الهوجاء، وأنت مُستلقِ وميت كل ما فيك سوى عُقلة سبابتك ورفّة جفنك، ويحملك على المتابعة واقتفاء الأثر في كلّ ثانية من حفلة رقص إلى جريمة قتل، ومن واعظ يحذّر من الربا والتبذير إلى أخبار البنوك والقروض، وحفلات الأعراس التي أحرقت آلاف الدنانير، إنّه ينقلك إلى عوالم فانتازية افتراضية منفصلة عن الواقع، فلا الخبر صحيح، ولا كلّ مديح فيه مديح، والغريب أنّ عجاجه لا يثور ولا يتوهج إلّا ليلا، كالحُمّى التي زارت المتنبي، فليس تزور إلّا في الظلام ...

 

تدهشك عناوين براقة خلابة، وتغريك خلفيات ملوّنة ملوّثة، ثم تكتشف أنّها كالآبار الرومانيّة القديمة التي امتلأت طميًا ووشَلا، لا ماء فيها ولا رواء، ولا تحملُ دلاؤها السوداء ولا يستسقى بأرشيتها البالية إلا الأوشال والأحقاد الدفينة، والتعصب الأعمى ،وزبد تضخّم الذات والمجموع، ولا تُصَبُّ دلاؤها إلا في أحواض الرذيلة، ليتجرّع منها المُعلّقين المعجبين والساخطين كؤوس الندم ، ظنّا منهم أن مشاركة أصابعهم في هذا الهوس الافتراضي هي التي ستغير مجرى التاريخ عبر بضع المتفاعلين على صفحته، وأن تعليقه الارتجالي والانفعالي في لحظة نزق، هو الفيصل في انتزاع هذا الوشل المتراكم في الجب الآسن المتعفن، دون أن يعلم أنّه لو مرّ كعابر سبيل على هذا الغثاء، لجفّت موارده ومصادره واعتلى الطمي والرّكام سيوله وقنواتِه، واصفرّت طحالبُه الخضراءُ اللزجة.

 

ولبقيَ نافخ الكير على علّاته. أيُعقل يا كرام الناس، أن يحرّكنا ويقلبَ كياننا ووجودنا وأخلاقنا، هذا الوسواس الخنّاس الذي لا يوسوسُ في صدور الناس وحسب، بل يُسوسُ أمام عيوننا جهارا نهارا عيانا إلى أن أمات فينا الإحساس، فتبلدت المشاعر، ورُفعت المباخر، وتجمدت حقيقةُ المنابر . كم من فتنة أطلت برأسها! وكم من فكرة خبيثة ذُقنا وبال أمرها و بأسها، وشربنا من مُترعا كأسَها.. حين سمحنا لأنفسنا أن نرقص على آلام الموجوعين، ونسكر على صراخ المكلومين، وننتشي طربا على عذابات المظلومين !

 

كتابة أو نشرا وتعليقا، أو إعجابا وتزويقا، فسفسة الفيس، أيّها (المُفيّسون) المُفلسون من قيم الإنسانية والدين أداةٌ حضارية مفيدة لكنّنا كما قال المتنبي : كلّما أنبت الزمانُ قناة ركّب المرء في القناة سنانا نحن من جعلنا لها سنانا، فأهلكت شبابنا، وتعقّبت كهولنا، وتتبّعت عورات بيوتنا ومطابخنا، وغرف نومنا وحماماتنا، رغبة في شهرة أو إعجاب، ولم ندرك جميعا أن التأشير و(التشيير) هما شهادة، ستبقى شاهدة في صحائف الأعمال إلى يوم القيامة ، يوم تشهد علينا ألسنتنا وأيدينا وأرجلنا، بما كنّا نعمل، ويومئذِ يوفيكم الله دينكم الحقّ، وتعلمون أنّ الله هو الحقّ المُبين.




عدد المشاهدات : (1736)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :