الأردن وطن المحبة والأخوّة … المسلمون والمسيحيون نسيجٌ واحد لا تمزّقه جريمة :


رم -

الدكتور نسيم أبو خضير
ليست العلاقة التي تجمع المسلمين والمسيحيين في الأردن علاقةً طارئة حتى نأتي اليوم لنشرحها أو نبرّر جذورها أو ندافع عن وجودها ، وليست أخوّةً وُلدت بالأمس حتى تستطيع جريمةٌ آثمة أن تهزّ أركانها ، بل هي علاقة تأريخية وإنسانية ووطنية راسخة ، نسجتها عقودٌ طويلة من المحبة والمودة والجيرة الطيبة ، وعزّزتها مواقف الرجال والنساء الذين عاشوا معاً على هذه الأرض ، وتقاسموا أفراحها وأحزانها ، ووقفوا صفاً واحداً في مواجهة المحن والتحديات .


إنّ الأردن لم يكن يوماً وطناً للمسلمين وحدهم أو للمسيحيين وحدهم ، بل هو وطن الأردنيين جميعاً ، وطنٌ إحتضن أبناءه بمختلف معتقداتهم ، وجعل من التآخي والتسامح والعيش المشترك قيمةً أصيلة في وجدانه الوطني ، حتى غدت بيوت المسلمين والمسيحيين متجاورة ، وموائدهم متبادلة ، وأفراحهم مشتركة ، وأحزانهم واحدة ، لا تسأل فيها الدموع عن دين صاحبها ، ولا تستأذن فيها المحبة قبل أن تدخل القلوب .


ومن هنا ، فإنّ ما شهدته الكرك من حادثٍ إجرامي أليم لا يمكن أن يُنظر إليه بإعتباره حدثاً عابراً فحسب ، ولا يجوز في الوقت ذاته أن يُسمح له بأن يتحول إلى شرخٍ في جسد المجتمع الأردني الواحد ، أو أن يصبح مدخلاً لبثّ الكراهية والفتنة بين أبناء الوطن الواحد .


لقد آلمتنا هذه الجريمة كما آلمت أهلنا وذوي المغدورين ، بل إننا نشعر بأننا من ذويهم ، لأنّ المصاب الذي يوجعهم يوجعنا ، والدمعة التي تسقط من أعينهم تسقط من أعيننا ، والحزن الذي يسكن بيوتهم يسكن قلوبنا جميعاً . فكيف لا نحزن على أحزان إخوتنا ، وكيف لا نشعر بوجعهم ونحن الذين تربّينا على أنّ الجار أخ ، وأنّ كرامة الإنسان مصونة ، وأنّ دمعة المظلوم لا يخففها إلا العدل والوقوف إلى جانبه ؟


والله ، ما عاد وجع الكرك وجع عائلاتٍ بعينها ، بل أصبح وجع كل أردنيّ يؤمن بأنّ الوطن عائلة واحدة ، وأنّ المصاب إذا نزل ببيتٍ من بيوت الأردنيين ، فإنّ أبواب جميع البيوت ينبغي أن تُفتح للمواساة والتضامن والمحبة .
إنّ من إرتكبوا هذا العمل الإجرامي ، ومن إمتدت أيديهم إلى الأبرياء في مكانٍ يفترض أن يكون ملاذاً للصلاة والسكينة ، لا يمثّلون الإسلام ولا شريعته ولا أخلاقه ، ولا يمتّون إلى جوهر ديننا الحنيف بصلة . فالإسلام دين الرحمة والعدل ، دين صيانة النفس البشرية ، وإحترام الإنسان ، وحفظ الحقوق ، ونبذ الظلم والعدوان .
قال الله تعالى في محكم التنزيل :
﴿ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ﴾ .
فأيّ دينٍ هذا الذي يزعم أصحابه أنّ قتل الأبرياء طريقٌ إلى الله ؟ وأيّ عقيدةٍ هذه التي تستبيح دم الإنسان الآمن ، وتحوّل دور العبادة إلى ساحاتٍ للخوف والموت ؟ وأيّ فهمٍ مشوّهٍ للإسلام يسمح لصاحبه بأن يعتدي على أناسٍ لا ذنب لهم سوى أنهم مواطنون يمارسون حقهم في العبادة ، ويعيشون في وطنهم بسلام ؟
إنّ هؤلاء ، مهما كانت دوافعهم أو الجهات التي تقف وراءهم ، لا يملكون حق الحديث بإسم الإسلام ، ولا يحق لهم إختطاف الدين وتحويله إلى غطاءٍ لجرائمهم . والأولى أن تُكشف حقيقة الجريمة عبر التحقيقات الرسمية ، وأن يُحاسَب كل من يثبت تورطه أو تحريضه أو دعمه وفق القانون ، بعيداً عن الشائعات والإتهامات التي لا تستند إلى دليل .
وقد أكّد جلالة الملك عبدالله الثاني ، في أعقاب الإعتداء ، أنّ أمن الأردنيين وسلامتهم خطّ أحمر ، وأنّ هذه الأعمال لن ترهب الأردن ولن تهزّ وحدته الوطنية ، كما شدّد على ضرورة مواجهة الفكر المتطرف وملاحقة المسؤولين عن الجريمة .
الأردن أكبر من الفتنة ، وأقوى من دعاة الكراهية .
وفي ظل ما تعيشه منطقتنا من حروبٍ طاحنة ، وإضطراباتٍ وصراعاتٍ تتجاوز حدود الدول ، يصبح الحفاظ على الجبهة الداخلية الأردنية مسؤوليةً وطنية وأخلاقية لا تقبل التهاون . فالأردن الذي يواجه التحديات بحكمة قيادته ووعي شعبه ، ليس بحاجة إلى مزيدٍ من الإنقسام ، بل إلى مزيدٍ من التماسك والتلاحم والوقوف صفاً واحداً خلف مؤسساته الوطنية ، حمايةً للأمن والاستقرار وصوناً لكرامة الإنسان .
ولا يجوز لنا أن نستبق نتائج التحقيق ، أو أن نجزم بأنّ الجريمة جاءت رداً على مواقف الأردن وقيادته تجاه أحداث المنطقة ، أو أن نقطع بوجود جهاتٍ مأجورة تقف وراءها ، ما لم تثبت الجهات المختصة ذلك . لكنّ المؤكد أنّ إستهداف الأبرياء وزرع الخوف بين المواطنين جريمةٌ تمسّ الوطن بأكمله ، وأنّ أي محاولة لإستغلال الدماء من أجل إثارة الفتنة يجب أن تُواجَه بالوعي والوحدة والتمسك بسيادة القانون .
إنّ أخطر ما يمكن أن يحدث بعد هذه الجريمة ليس فقط الألم الذي خلّفته ، بل أن ينجح أصحاب الفكر المتطرف في تحويل هذا الألم إلى حواجز بين أبناء الوطن الواحد . ولهذا ، فإنّ واجبنا جميعاً أن نحاصر خطاب الكراهية ، وأن نرفض التعميم ، وأن نمنع أي صوتٍ يحاول تحميل المسلمين أو المسيحيين مسؤولية فعلٍ إجرامي إرتكبه أفراد .
فلا يجوز أن يُحاسَب دينٌ على جريمة مجرم ، ولا أن تُدان جماعةٌ كاملة بسبب فعل أفراد ، ولا أن تتحوّل دماء الضحايا إلى وقودٍ لفتنةٍ جديدة .
حين يبكي الأردنيون ، لا تسأل الدموع عن الدين .
يا أهلنا وإخوتنا المسيحيين ، إنّنا لا نكتب إليكم اليوم من موقع الدفاع عن علاقةٍ يشكّك فيها أحد ، ولا من باب تبرير جريمةٍ لا يبررها عقلٌ ولا ضمير ، بل نكتب إليكم من موقع الأخوّة الصادقة التي جمعتنا على هذه الأرض ، ومن قلبٍ أردنيّ يتألم لألمكم ، ويحزن لحزنكم ، ويتمنى لكم الصبر والسكينة .
لقد آلمنا مصابكم كما لو أنّ المصاب وقع في بيوتنا ، لأنّنا نعتبر أنفسنا من ذوي الضحايا ، ونشعر أنّ الذين فقدناهم هم أهلنا وإخوتنا ، وأنّ الحزن الذي يسكن قلوبكم يسكن قلوبنا . وما يحزنكم يحزننا ، وما يفرحكم يفرحنا ، وما يمسّ كرامتكم يمسّ كرامتنا ، وما يهدّد أمنكم يهدّد أمننا جميعاً .
هذه ليست كلمات مجاملةٍ تقال في ساعة الحزن ، بل حقيقةٌ عاشها الأردنيون جيلاً بعد جيل . فكم من جارٍ مسلمٍ وقف إلى جانب جاره المسيحي في محنته ، وكم من مسيحيّ شارك أخاه المسلم أفراحه وأتراحه ، وكم من بيتٍ أردنيّ لم تكن فيه المحبة بحاجةٍ إلى بطاقة تعريفٍ دينية حتى تفتح أبوابها للآخرين .
لقد علّمتنا الحياة في الأردن أنّ الأخوّة ليست شعاراً يُرفع في المناسبات ، بل موقفٌ يظهر في الشدائد ، وأنّ العيش المشترك ليس عبارةً في خطابٍ رسمي ، بل ممارسةٌ يومية تتجسد في الجيرة ، والعمل ، والصداقة ، والمصاهرة ، والتعاون ، وإحترام كرامة الإنسان .
رسالة إلى كل أردنيّ وأردنية :
إنّ واجبنا اليوم أن نكون على قدر هذه اللحظة المؤلمة ، وأن نترجم أخوّتنا إلى مواقف عملية ، بالتضامن مع أسر الضحايا ، ومساندة المصابين ، وإحترام مشاعر المفجوعين ، والوقوف إلى جانب كل من أصابه هذا الاعتداء بوجعٍ أو خوف .
وواجبنا كذلك أن نمنح الجهات الأمنية والقضائية الثقة والمساحة اللازمة لكشف ملابسات الجريمة ، وأن نبتعد عن تداول الشائعات والمقاطع المضللة والإتهامات غير المثبتة ، لأنّ الكلمة قد تداوي جرحاً ، وقد تفتح جرحاً آخر ، وقد تبني جسراً من المحبة ، وقد تشعل ناراً لا تخدم إلا أعداء الوطن .
إنّ قوة الأردن لا تقاس فقط بقدرته على حماية حدوده ، بل أيضاً بقدرته على حماية نسيجه الإجتماعي ، وصيانة كرامة مواطنيه ، وترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية ، والتصدي لكل فكرٍ يسعى إلى تقسيم المجتمع على أساس الدين أو المعتقد .
وسيبقى الأردن ، بإذن الله ، وطناً يجمع أبناءه تحت رايةٍ واحدة ، وقيادةٍ هاشميةٍ واحدة ، ومصيرٍ مشترك ، وسيبقى المسلمون والمسيحيون شركاء في بناء حاضره وصناعة مستقبله ، لا تفرّقهم جريمة ، ولا تهزمهم مؤامرة ، ولا تنتزع من قلوبهم جذور المحبة التي امتدت عبر السنين .
ونقولها من القلب ، وبكل ما نحمله من صدق الإنتماء لهذا الوطن :
إنّ دماء الضحايا أمانةٌ في أعناقنا جميعاً ، وأحزان أسرهم أحزاننا ، وكرامة إخوتنا المسيحيين من كرامتنا ، وأمنهم من أمننا ، ومستقبل أبنائهم من مستقبل أبنائنا .
لن نسمح لجريمةٍ أن تعرّف علاقتنا ، ولن نسمح للتطرف أن يختطف ديننا ، ولن نسمح للكراهية أن تسرق منّا إنسانيتنا ، ولن نسمح للفتنة أن تعبث بوطنٍ بناه الأردنيون معاً ، وحموه معاً ، وسيواصلون مسيرة بنائه معاً .
أسأل الله العظيم أن يلهم ذويهم الصبر والسلوان ، وأن يمنّ على المصابين بالشفاء العاجل ، وحمى الأردن وأهله من كل سوء .
عاش الأردن وطناً للمحبة والكرامة والعيش المشترك ، وعاش الأردنيون إخوةً متحابين ، مسلمين ومسيحيين ، تحت راية الوطن وقيادته الهاشمية ، عصيّين على الفتنة ، أقوياء بوحدتهم ، أوفياء لأرضهم ، متمسكين بقيم دينهم وإنسانيتهم .




عدد المشاهدات : (5908)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :