الدكتور نسيم أبو خضير
ليست العلاقة التي تجمع المسلمين والمسيحيين في الأردن علاقةً طارئة حتى نأتي اليوم لنشرحها أو نبرّر جذورها أو ندافع عن وجودها ، وليست أخوّةً وُلدت بالأمس حتى تستطيع جريمةٌ آثمة أن تهزّ أركانها ، بل هي علاقة تأريخية وإنسانية ووطنية راسخة ، نسجتها عقودٌ طويلة من المحبة والمودة والجيرة الطيبة ، وعزّزتها مواقف الرجال والنساء الذين عاشوا معاً على هذه الأرض ، وتقاسموا أفراحها وأحزانها ، ووقفوا صفاً واحداً في مواجهة المحن والتحديات .
إنّ الأردن لم يكن يوماً وطناً للمسلمين وحدهم أو للمسيحيين وحدهم ، بل هو وطن الأردنيين جميعاً ، وطنٌ إحتضن أبناءه بمختلف معتقداتهم ، وجعل من التآخي والتسامح والعيش المشترك قيمةً أصيلة في وجدانه الوطني ، حتى غدت بيوت المسلمين والمسيحيين متجاورة ، وموائدهم متبادلة ، وأفراحهم مشتركة ، وأحزانهم واحدة ، لا تسأل فيها الدموع عن دين صاحبها ، ولا تستأذن فيها المحبة قبل أن تدخل القلوب .
ومن هنا ، فإنّ ما شهدته الكرك من حادثٍ إجرامي أليم لا يمكن أن يُنظر إليه بإعتباره حدثاً عابراً فحسب ، ولا يجوز في الوقت ذاته أن يُسمح له بأن يتحول إلى شرخٍ في جسد المجتمع الأردني الواحد ، أو أن يصبح مدخلاً لبثّ الكراهية والفتنة بين أبناء الوطن الواحد .
لقد آلمتنا هذه الجريمة كما آلمت أهلنا وذوي المغدورين ، بل إننا نشعر بأننا من ذويهم ، لأنّ المصاب الذي يوجعهم يوجعنا ، والدمعة التي تسقط من أعينهم تسقط من أعيننا ، والحزن الذي يسكن بيوتهم يسكن قلوبنا جميعاً . فكيف لا نحزن على أحزان إخوتنا ، وكيف لا نشعر بوجعهم ونحن الذين تربّينا على أنّ الجار أخ ، وأنّ كرامة الإنسان مصونة ، وأنّ دمعة المظلوم لا يخففها إلا العدل والوقوف إلى جانبه ؟
والله ، ما عاد وجع الكرك وجع عائلاتٍ بعينها ، بل أصبح وجع كل أردنيّ يؤمن بأنّ الوطن عائلة واحدة ، وأنّ المصاب إذا نزل ببيتٍ من بيوت الأردنيين ، فإنّ أبواب جميع البيوت ينبغي أن تُفتح للمواساة والتضامن والمحبة .
إنّ من إرتكبوا هذا العمل الإجرامي ، ومن إمتدت أيديهم إلى الأبرياء في مكانٍ يفترض أن يكون ملاذاً للصلاة والسكينة ، لا يمثّلون الإسلام ولا شريعته ولا أخلاقه ، ولا يمتّون إلى جوهر ديننا الحنيف بصلة . فالإسلام دين الرحمة والعدل ، دين صيانة النفس البشرية ، وإحترام الإنسان ، وحفظ الحقوق ، ونبذ الظلم والعدوان .
قال الله تعالى في محكم التنزيل :
﴿ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ﴾ .
فأيّ دينٍ هذا الذي يزعم أصحابه أنّ قتل الأبرياء طريقٌ إلى الله ؟ وأيّ عقيدةٍ هذه التي تستبيح دم الإنسان الآمن ، وتحوّل دور العبادة إلى ساحاتٍ للخوف والموت ؟ وأيّ فهمٍ مشوّهٍ للإسلام يسمح لصاحبه بأن يعتدي على أناسٍ لا ذنب لهم سوى أنهم مواطنون يمارسون حقهم في العبادة ، ويعيشون في وطنهم بسلام ؟
إنّ هؤلاء ، مهما كانت دوافعهم أو الجهات التي تقف وراءهم ، لا يملكون حق الحديث بإسم الإسلام ، ولا يحق لهم إختطاف الدين وتحويله إلى غطاءٍ لجرائمهم . والأولى أن تُكشف حقيقة الجريمة عبر التحقيقات الرسمية ، وأن يُحاسَب كل من يثبت تورطه أو تحريضه أو دعمه وفق القانون ، بعيداً عن الشائعات والإتهامات التي لا تستند إلى دليل .
وقد أكّد جلالة الملك عبدالله الثاني ، في أعقاب الإعتداء ، أنّ أمن الأردنيين وسلامتهم خطّ أحمر ، وأنّ هذه الأعمال لن ترهب الأردن ولن تهزّ وحدته الوطنية ، كما شدّد على ضرورة مواجهة الفكر المتطرف وملاحقة المسؤولين عن الجريمة .
الأردن أكبر من الفتنة ، وأقوى من دعاة الكراهية .
وفي ظل ما تعيشه منطقتنا من حروبٍ طاحنة ، وإضطراباتٍ وصراعاتٍ تتجاوز حدود الدول ، يصبح الحفاظ على الجبهة الداخلية الأردنية مسؤوليةً وطنية وأخلاقية لا تقبل التهاون . فالأردن الذي يواجه التحديات بحكمة قيادته ووعي شعبه ، ليس بحاجة إلى مزيدٍ من الإنقسام ، بل إلى مزيدٍ من التماسك والتلاحم والوقوف صفاً واحداً خلف مؤسساته الوطنية ، حمايةً للأمن والاستقرار وصوناً لكرامة الإنسان .
ولا يجوز لنا أن نستبق نتائج التحقيق ، أو أن نجزم بأنّ الجريمة جاءت رداً على مواقف الأردن وقيادته تجاه أحداث المنطقة ، أو أن نقطع بوجود جهاتٍ مأجورة تقف وراءها ، ما لم تثبت الجهات المختصة ذلك . لكنّ المؤكد أنّ إستهداف الأبرياء وزرع الخوف بين المواطنين جريمةٌ تمسّ الوطن بأكمله ، وأنّ أي محاولة لإستغلال الدماء من أجل إثارة الفتنة يجب أن تُواجَه بالوعي والوحدة والتمسك بسيادة القانون .
إنّ أخطر ما يمكن أن يحدث بعد هذه الجريمة ليس فقط الألم الذي خلّفته ، بل أن ينجح أصحاب الفكر المتطرف في تحويل هذا الألم إلى حواجز بين أبناء الوطن الواحد . ولهذا ، فإنّ واجبنا جميعاً أن نحاصر خطاب الكراهية ، وأن نرفض التعميم ، وأن نمنع أي صوتٍ يحاول تحميل المسلمين أو المسيحيين مسؤولية فعلٍ إجرامي إرتكبه أفراد .
فلا يجوز أن يُحاسَب دينٌ على جريمة مجرم ، ولا أن تُدان جماعةٌ كاملة بسبب فعل أفراد ، ولا أن تتحوّل دماء الضحايا إلى وقودٍ لفتنةٍ جديدة .
حين يبكي الأردنيون ، لا تسأل الدموع عن الدين .
يا أهلنا وإخوتنا المسيحيين ، إنّنا لا نكتب إليكم اليوم من موقع الدفاع عن علاقةٍ يشكّك فيها أحد ، ولا من باب تبرير جريمةٍ لا يبررها عقلٌ ولا ضمير ، بل نكتب إليكم من موقع الأخوّة الصادقة التي جمعتنا على هذه الأرض ، ومن قلبٍ أردنيّ يتألم لألمكم ، ويحزن لحزنكم ، ويتمنى لكم الصبر والسكينة .
لقد آلمنا مصابكم كما لو أنّ المصاب وقع في بيوتنا ، لأنّنا نعتبر أنفسنا من ذوي الضحايا ، ونشعر أنّ الذين فقدناهم هم أهلنا وإخوتنا ، وأنّ الحزن الذي يسكن قلوبكم يسكن قلوبنا . وما يحزنكم يحزننا ، وما يفرحكم يفرحنا ، وما يمسّ كرامتكم يمسّ كرامتنا ، وما يهدّد أمنكم يهدّد أمننا جميعاً .
هذه ليست كلمات مجاملةٍ تقال في ساعة الحزن ، بل حقيقةٌ عاشها الأردنيون جيلاً بعد جيل . فكم من جارٍ مسلمٍ وقف إلى جانب جاره المسيحي في محنته ، وكم من مسيحيّ شارك أخاه المسلم أفراحه وأتراحه ، وكم من بيتٍ أردنيّ لم تكن فيه المحبة بحاجةٍ إلى بطاقة تعريفٍ دينية حتى تفتح أبوابها للآخرين .
لقد علّمتنا الحياة في الأردن أنّ الأخوّة ليست شعاراً يُرفع في المناسبات ، بل موقفٌ يظهر في الشدائد ، وأنّ العيش المشترك ليس عبارةً في خطابٍ رسمي ، بل ممارسةٌ يومية تتجسد في الجيرة ، والعمل ، والصداقة ، والمصاهرة ، والتعاون ، وإحترام كرامة الإنسان .
رسالة إلى كل أردنيّ وأردنية :
إنّ واجبنا اليوم أن نكون على قدر هذه اللحظة المؤلمة ، وأن نترجم أخوّتنا إلى مواقف عملية ، بالتضامن مع أسر الضحايا ، ومساندة المصابين ، وإحترام مشاعر المفجوعين ، والوقوف إلى جانب كل من أصابه هذا الاعتداء بوجعٍ أو خوف .
وواجبنا كذلك أن نمنح الجهات الأمنية والقضائية الثقة والمساحة اللازمة لكشف ملابسات الجريمة ، وأن نبتعد عن تداول الشائعات والمقاطع المضللة والإتهامات غير المثبتة ، لأنّ الكلمة قد تداوي جرحاً ، وقد تفتح جرحاً آخر ، وقد تبني جسراً من المحبة ، وقد تشعل ناراً لا تخدم إلا أعداء الوطن .
إنّ قوة الأردن لا تقاس فقط بقدرته على حماية حدوده ، بل أيضاً بقدرته على حماية نسيجه الإجتماعي ، وصيانة كرامة مواطنيه ، وترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية ، والتصدي لكل فكرٍ يسعى إلى تقسيم المجتمع على أساس الدين أو المعتقد .
وسيبقى الأردن ، بإذن الله ، وطناً يجمع أبناءه تحت رايةٍ واحدة ، وقيادةٍ هاشميةٍ واحدة ، ومصيرٍ مشترك ، وسيبقى المسلمون والمسيحيون شركاء في بناء حاضره وصناعة مستقبله ، لا تفرّقهم جريمة ، ولا تهزمهم مؤامرة ، ولا تنتزع من قلوبهم جذور المحبة التي امتدت عبر السنين .
ونقولها من القلب ، وبكل ما نحمله من صدق الإنتماء لهذا الوطن :
إنّ دماء الضحايا أمانةٌ في أعناقنا جميعاً ، وأحزان أسرهم أحزاننا ، وكرامة إخوتنا المسيحيين من كرامتنا ، وأمنهم من أمننا ، ومستقبل أبنائهم من مستقبل أبنائنا .
لن نسمح لجريمةٍ أن تعرّف علاقتنا ، ولن نسمح للتطرف أن يختطف ديننا ، ولن نسمح للكراهية أن تسرق منّا إنسانيتنا ، ولن نسمح للفتنة أن تعبث بوطنٍ بناه الأردنيون معاً ، وحموه معاً ، وسيواصلون مسيرة بنائه معاً .
أسأل الله العظيم أن يلهم ذويهم الصبر والسلوان ، وأن يمنّ على المصابين بالشفاء العاجل ، وحمى الأردن وأهله من كل سوء .
عاش الأردن وطناً للمحبة والكرامة والعيش المشترك ، وعاش الأردنيون إخوةً متحابين ، مسلمين ومسيحيين ، تحت راية الوطن وقيادته الهاشمية ، عصيّين على الفتنة ، أقوياء بوحدتهم ، أوفياء لأرضهم ، متمسكين بقيم دينهم وإنسانيتهم .
الدكتور نسيم أبو خضير
ليست العلاقة التي تجمع المسلمين والمسيحيين في الأردن علاقةً طارئة حتى نأتي اليوم لنشرحها أو نبرّر جذورها أو ندافع عن وجودها ، وليست أخوّةً وُلدت بالأمس حتى تستطيع جريمةٌ آثمة أن تهزّ أركانها ، بل هي علاقة تأريخية وإنسانية ووطنية راسخة ، نسجتها عقودٌ طويلة من المحبة والمودة والجيرة الطيبة ، وعزّزتها مواقف الرجال والنساء الذين عاشوا معاً على هذه الأرض ، وتقاسموا أفراحها وأحزانها ، ووقفوا صفاً واحداً في مواجهة المحن والتحديات .
إنّ الأردن لم يكن يوماً وطناً للمسلمين وحدهم أو للمسيحيين وحدهم ، بل هو وطن الأردنيين جميعاً ، وطنٌ إحتضن أبناءه بمختلف معتقداتهم ، وجعل من التآخي والتسامح والعيش المشترك قيمةً أصيلة في وجدانه الوطني ، حتى غدت بيوت المسلمين والمسيحيين متجاورة ، وموائدهم متبادلة ، وأفراحهم مشتركة ، وأحزانهم واحدة ، لا تسأل فيها الدموع عن دين صاحبها ، ولا تستأذن فيها المحبة قبل أن تدخل القلوب .
ومن هنا ، فإنّ ما شهدته الكرك من حادثٍ إجرامي أليم لا يمكن أن يُنظر إليه بإعتباره حدثاً عابراً فحسب ، ولا يجوز في الوقت ذاته أن يُسمح له بأن يتحول إلى شرخٍ في جسد المجتمع الأردني الواحد ، أو أن يصبح مدخلاً لبثّ الكراهية والفتنة بين أبناء الوطن الواحد .
لقد آلمتنا هذه الجريمة كما آلمت أهلنا وذوي المغدورين ، بل إننا نشعر بأننا من ذويهم ، لأنّ المصاب الذي يوجعهم يوجعنا ، والدمعة التي تسقط من أعينهم تسقط من أعيننا ، والحزن الذي يسكن بيوتهم يسكن قلوبنا جميعاً . فكيف لا نحزن على أحزان إخوتنا ، وكيف لا نشعر بوجعهم ونحن الذين تربّينا على أنّ الجار أخ ، وأنّ كرامة الإنسان مصونة ، وأنّ دمعة المظلوم لا يخففها إلا العدل والوقوف إلى جانبه ؟
والله ، ما عاد وجع الكرك وجع عائلاتٍ بعينها ، بل أصبح وجع كل أردنيّ يؤمن بأنّ الوطن عائلة واحدة ، وأنّ المصاب إذا نزل ببيتٍ من بيوت الأردنيين ، فإنّ أبواب جميع البيوت ينبغي أن تُفتح للمواساة والتضامن والمحبة .
إنّ من إرتكبوا هذا العمل الإجرامي ، ومن إمتدت أيديهم إلى الأبرياء في مكانٍ يفترض أن يكون ملاذاً للصلاة والسكينة ، لا يمثّلون الإسلام ولا شريعته ولا أخلاقه ، ولا يمتّون إلى جوهر ديننا الحنيف بصلة . فالإسلام دين الرحمة والعدل ، دين صيانة النفس البشرية ، وإحترام الإنسان ، وحفظ الحقوق ، ونبذ الظلم والعدوان .
قال الله تعالى في محكم التنزيل :
﴿ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ﴾ .
فأيّ دينٍ هذا الذي يزعم أصحابه أنّ قتل الأبرياء طريقٌ إلى الله ؟ وأيّ عقيدةٍ هذه التي تستبيح دم الإنسان الآمن ، وتحوّل دور العبادة إلى ساحاتٍ للخوف والموت ؟ وأيّ فهمٍ مشوّهٍ للإسلام يسمح لصاحبه بأن يعتدي على أناسٍ لا ذنب لهم سوى أنهم مواطنون يمارسون حقهم في العبادة ، ويعيشون في وطنهم بسلام ؟
إنّ هؤلاء ، مهما كانت دوافعهم أو الجهات التي تقف وراءهم ، لا يملكون حق الحديث بإسم الإسلام ، ولا يحق لهم إختطاف الدين وتحويله إلى غطاءٍ لجرائمهم . والأولى أن تُكشف حقيقة الجريمة عبر التحقيقات الرسمية ، وأن يُحاسَب كل من يثبت تورطه أو تحريضه أو دعمه وفق القانون ، بعيداً عن الشائعات والإتهامات التي لا تستند إلى دليل .
وقد أكّد جلالة الملك عبدالله الثاني ، في أعقاب الإعتداء ، أنّ أمن الأردنيين وسلامتهم خطّ أحمر ، وأنّ هذه الأعمال لن ترهب الأردن ولن تهزّ وحدته الوطنية ، كما شدّد على ضرورة مواجهة الفكر المتطرف وملاحقة المسؤولين عن الجريمة .
الأردن أكبر من الفتنة ، وأقوى من دعاة الكراهية .
وفي ظل ما تعيشه منطقتنا من حروبٍ طاحنة ، وإضطراباتٍ وصراعاتٍ تتجاوز حدود الدول ، يصبح الحفاظ على الجبهة الداخلية الأردنية مسؤوليةً وطنية وأخلاقية لا تقبل التهاون . فالأردن الذي يواجه التحديات بحكمة قيادته ووعي شعبه ، ليس بحاجة إلى مزيدٍ من الإنقسام ، بل إلى مزيدٍ من التماسك والتلاحم والوقوف صفاً واحداً خلف مؤسساته الوطنية ، حمايةً للأمن والاستقرار وصوناً لكرامة الإنسان .
ولا يجوز لنا أن نستبق نتائج التحقيق ، أو أن نجزم بأنّ الجريمة جاءت رداً على مواقف الأردن وقيادته تجاه أحداث المنطقة ، أو أن نقطع بوجود جهاتٍ مأجورة تقف وراءها ، ما لم تثبت الجهات المختصة ذلك . لكنّ المؤكد أنّ إستهداف الأبرياء وزرع الخوف بين المواطنين جريمةٌ تمسّ الوطن بأكمله ، وأنّ أي محاولة لإستغلال الدماء من أجل إثارة الفتنة يجب أن تُواجَه بالوعي والوحدة والتمسك بسيادة القانون .
إنّ أخطر ما يمكن أن يحدث بعد هذه الجريمة ليس فقط الألم الذي خلّفته ، بل أن ينجح أصحاب الفكر المتطرف في تحويل هذا الألم إلى حواجز بين أبناء الوطن الواحد . ولهذا ، فإنّ واجبنا جميعاً أن نحاصر خطاب الكراهية ، وأن نرفض التعميم ، وأن نمنع أي صوتٍ يحاول تحميل المسلمين أو المسيحيين مسؤولية فعلٍ إجرامي إرتكبه أفراد .
فلا يجوز أن يُحاسَب دينٌ على جريمة مجرم ، ولا أن تُدان جماعةٌ كاملة بسبب فعل أفراد ، ولا أن تتحوّل دماء الضحايا إلى وقودٍ لفتنةٍ جديدة .
حين يبكي الأردنيون ، لا تسأل الدموع عن الدين .
يا أهلنا وإخوتنا المسيحيين ، إنّنا لا نكتب إليكم اليوم من موقع الدفاع عن علاقةٍ يشكّك فيها أحد ، ولا من باب تبرير جريمةٍ لا يبررها عقلٌ ولا ضمير ، بل نكتب إليكم من موقع الأخوّة الصادقة التي جمعتنا على هذه الأرض ، ومن قلبٍ أردنيّ يتألم لألمكم ، ويحزن لحزنكم ، ويتمنى لكم الصبر والسكينة .
لقد آلمنا مصابكم كما لو أنّ المصاب وقع في بيوتنا ، لأنّنا نعتبر أنفسنا من ذوي الضحايا ، ونشعر أنّ الذين فقدناهم هم أهلنا وإخوتنا ، وأنّ الحزن الذي يسكن قلوبكم يسكن قلوبنا . وما يحزنكم يحزننا ، وما يفرحكم يفرحنا ، وما يمسّ كرامتكم يمسّ كرامتنا ، وما يهدّد أمنكم يهدّد أمننا جميعاً .
هذه ليست كلمات مجاملةٍ تقال في ساعة الحزن ، بل حقيقةٌ عاشها الأردنيون جيلاً بعد جيل . فكم من جارٍ مسلمٍ وقف إلى جانب جاره المسيحي في محنته ، وكم من مسيحيّ شارك أخاه المسلم أفراحه وأتراحه ، وكم من بيتٍ أردنيّ لم تكن فيه المحبة بحاجةٍ إلى بطاقة تعريفٍ دينية حتى تفتح أبوابها للآخرين .
لقد علّمتنا الحياة في الأردن أنّ الأخوّة ليست شعاراً يُرفع في المناسبات ، بل موقفٌ يظهر في الشدائد ، وأنّ العيش المشترك ليس عبارةً في خطابٍ رسمي ، بل ممارسةٌ يومية تتجسد في الجيرة ، والعمل ، والصداقة ، والمصاهرة ، والتعاون ، وإحترام كرامة الإنسان .
رسالة إلى كل أردنيّ وأردنية :
إنّ واجبنا اليوم أن نكون على قدر هذه اللحظة المؤلمة ، وأن نترجم أخوّتنا إلى مواقف عملية ، بالتضامن مع أسر الضحايا ، ومساندة المصابين ، وإحترام مشاعر المفجوعين ، والوقوف إلى جانب كل من أصابه هذا الاعتداء بوجعٍ أو خوف .
وواجبنا كذلك أن نمنح الجهات الأمنية والقضائية الثقة والمساحة اللازمة لكشف ملابسات الجريمة ، وأن نبتعد عن تداول الشائعات والمقاطع المضللة والإتهامات غير المثبتة ، لأنّ الكلمة قد تداوي جرحاً ، وقد تفتح جرحاً آخر ، وقد تبني جسراً من المحبة ، وقد تشعل ناراً لا تخدم إلا أعداء الوطن .
إنّ قوة الأردن لا تقاس فقط بقدرته على حماية حدوده ، بل أيضاً بقدرته على حماية نسيجه الإجتماعي ، وصيانة كرامة مواطنيه ، وترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية ، والتصدي لكل فكرٍ يسعى إلى تقسيم المجتمع على أساس الدين أو المعتقد .
وسيبقى الأردن ، بإذن الله ، وطناً يجمع أبناءه تحت رايةٍ واحدة ، وقيادةٍ هاشميةٍ واحدة ، ومصيرٍ مشترك ، وسيبقى المسلمون والمسيحيون شركاء في بناء حاضره وصناعة مستقبله ، لا تفرّقهم جريمة ، ولا تهزمهم مؤامرة ، ولا تنتزع من قلوبهم جذور المحبة التي امتدت عبر السنين .
ونقولها من القلب ، وبكل ما نحمله من صدق الإنتماء لهذا الوطن :
إنّ دماء الضحايا أمانةٌ في أعناقنا جميعاً ، وأحزان أسرهم أحزاننا ، وكرامة إخوتنا المسيحيين من كرامتنا ، وأمنهم من أمننا ، ومستقبل أبنائهم من مستقبل أبنائنا .
لن نسمح لجريمةٍ أن تعرّف علاقتنا ، ولن نسمح للتطرف أن يختطف ديننا ، ولن نسمح للكراهية أن تسرق منّا إنسانيتنا ، ولن نسمح للفتنة أن تعبث بوطنٍ بناه الأردنيون معاً ، وحموه معاً ، وسيواصلون مسيرة بنائه معاً .
أسأل الله العظيم أن يلهم ذويهم الصبر والسلوان ، وأن يمنّ على المصابين بالشفاء العاجل ، وحمى الأردن وأهله من كل سوء .
عاش الأردن وطناً للمحبة والكرامة والعيش المشترك ، وعاش الأردنيون إخوةً متحابين ، مسلمين ومسيحيين ، تحت راية الوطن وقيادته الهاشمية ، عصيّين على الفتنة ، أقوياء بوحدتهم ، أوفياء لأرضهم ، متمسكين بقيم دينهم وإنسانيتهم .
الدكتور نسيم أبو خضير
ليست العلاقة التي تجمع المسلمين والمسيحيين في الأردن علاقةً طارئة حتى نأتي اليوم لنشرحها أو نبرّر جذورها أو ندافع عن وجودها ، وليست أخوّةً وُلدت بالأمس حتى تستطيع جريمةٌ آثمة أن تهزّ أركانها ، بل هي علاقة تأريخية وإنسانية ووطنية راسخة ، نسجتها عقودٌ طويلة من المحبة والمودة والجيرة الطيبة ، وعزّزتها مواقف الرجال والنساء الذين عاشوا معاً على هذه الأرض ، وتقاسموا أفراحها وأحزانها ، ووقفوا صفاً واحداً في مواجهة المحن والتحديات .
إنّ الأردن لم يكن يوماً وطناً للمسلمين وحدهم أو للمسيحيين وحدهم ، بل هو وطن الأردنيين جميعاً ، وطنٌ إحتضن أبناءه بمختلف معتقداتهم ، وجعل من التآخي والتسامح والعيش المشترك قيمةً أصيلة في وجدانه الوطني ، حتى غدت بيوت المسلمين والمسيحيين متجاورة ، وموائدهم متبادلة ، وأفراحهم مشتركة ، وأحزانهم واحدة ، لا تسأل فيها الدموع عن دين صاحبها ، ولا تستأذن فيها المحبة قبل أن تدخل القلوب .
ومن هنا ، فإنّ ما شهدته الكرك من حادثٍ إجرامي أليم لا يمكن أن يُنظر إليه بإعتباره حدثاً عابراً فحسب ، ولا يجوز في الوقت ذاته أن يُسمح له بأن يتحول إلى شرخٍ في جسد المجتمع الأردني الواحد ، أو أن يصبح مدخلاً لبثّ الكراهية والفتنة بين أبناء الوطن الواحد .
لقد آلمتنا هذه الجريمة كما آلمت أهلنا وذوي المغدورين ، بل إننا نشعر بأننا من ذويهم ، لأنّ المصاب الذي يوجعهم يوجعنا ، والدمعة التي تسقط من أعينهم تسقط من أعيننا ، والحزن الذي يسكن بيوتهم يسكن قلوبنا جميعاً . فكيف لا نحزن على أحزان إخوتنا ، وكيف لا نشعر بوجعهم ونحن الذين تربّينا على أنّ الجار أخ ، وأنّ كرامة الإنسان مصونة ، وأنّ دمعة المظلوم لا يخففها إلا العدل والوقوف إلى جانبه ؟
والله ، ما عاد وجع الكرك وجع عائلاتٍ بعينها ، بل أصبح وجع كل أردنيّ يؤمن بأنّ الوطن عائلة واحدة ، وأنّ المصاب إذا نزل ببيتٍ من بيوت الأردنيين ، فإنّ أبواب جميع البيوت ينبغي أن تُفتح للمواساة والتضامن والمحبة .
إنّ من إرتكبوا هذا العمل الإجرامي ، ومن إمتدت أيديهم إلى الأبرياء في مكانٍ يفترض أن يكون ملاذاً للصلاة والسكينة ، لا يمثّلون الإسلام ولا شريعته ولا أخلاقه ، ولا يمتّون إلى جوهر ديننا الحنيف بصلة . فالإسلام دين الرحمة والعدل ، دين صيانة النفس البشرية ، وإحترام الإنسان ، وحفظ الحقوق ، ونبذ الظلم والعدوان .
قال الله تعالى في محكم التنزيل :
﴿ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ﴾ .
فأيّ دينٍ هذا الذي يزعم أصحابه أنّ قتل الأبرياء طريقٌ إلى الله ؟ وأيّ عقيدةٍ هذه التي تستبيح دم الإنسان الآمن ، وتحوّل دور العبادة إلى ساحاتٍ للخوف والموت ؟ وأيّ فهمٍ مشوّهٍ للإسلام يسمح لصاحبه بأن يعتدي على أناسٍ لا ذنب لهم سوى أنهم مواطنون يمارسون حقهم في العبادة ، ويعيشون في وطنهم بسلام ؟
إنّ هؤلاء ، مهما كانت دوافعهم أو الجهات التي تقف وراءهم ، لا يملكون حق الحديث بإسم الإسلام ، ولا يحق لهم إختطاف الدين وتحويله إلى غطاءٍ لجرائمهم . والأولى أن تُكشف حقيقة الجريمة عبر التحقيقات الرسمية ، وأن يُحاسَب كل من يثبت تورطه أو تحريضه أو دعمه وفق القانون ، بعيداً عن الشائعات والإتهامات التي لا تستند إلى دليل .
وقد أكّد جلالة الملك عبدالله الثاني ، في أعقاب الإعتداء ، أنّ أمن الأردنيين وسلامتهم خطّ أحمر ، وأنّ هذه الأعمال لن ترهب الأردن ولن تهزّ وحدته الوطنية ، كما شدّد على ضرورة مواجهة الفكر المتطرف وملاحقة المسؤولين عن الجريمة .
الأردن أكبر من الفتنة ، وأقوى من دعاة الكراهية .
وفي ظل ما تعيشه منطقتنا من حروبٍ طاحنة ، وإضطراباتٍ وصراعاتٍ تتجاوز حدود الدول ، يصبح الحفاظ على الجبهة الداخلية الأردنية مسؤوليةً وطنية وأخلاقية لا تقبل التهاون . فالأردن الذي يواجه التحديات بحكمة قيادته ووعي شعبه ، ليس بحاجة إلى مزيدٍ من الإنقسام ، بل إلى مزيدٍ من التماسك والتلاحم والوقوف صفاً واحداً خلف مؤسساته الوطنية ، حمايةً للأمن والاستقرار وصوناً لكرامة الإنسان .
ولا يجوز لنا أن نستبق نتائج التحقيق ، أو أن نجزم بأنّ الجريمة جاءت رداً على مواقف الأردن وقيادته تجاه أحداث المنطقة ، أو أن نقطع بوجود جهاتٍ مأجورة تقف وراءها ، ما لم تثبت الجهات المختصة ذلك . لكنّ المؤكد أنّ إستهداف الأبرياء وزرع الخوف بين المواطنين جريمةٌ تمسّ الوطن بأكمله ، وأنّ أي محاولة لإستغلال الدماء من أجل إثارة الفتنة يجب أن تُواجَه بالوعي والوحدة والتمسك بسيادة القانون .
إنّ أخطر ما يمكن أن يحدث بعد هذه الجريمة ليس فقط الألم الذي خلّفته ، بل أن ينجح أصحاب الفكر المتطرف في تحويل هذا الألم إلى حواجز بين أبناء الوطن الواحد . ولهذا ، فإنّ واجبنا جميعاً أن نحاصر خطاب الكراهية ، وأن نرفض التعميم ، وأن نمنع أي صوتٍ يحاول تحميل المسلمين أو المسيحيين مسؤولية فعلٍ إجرامي إرتكبه أفراد .
فلا يجوز أن يُحاسَب دينٌ على جريمة مجرم ، ولا أن تُدان جماعةٌ كاملة بسبب فعل أفراد ، ولا أن تتحوّل دماء الضحايا إلى وقودٍ لفتنةٍ جديدة .
حين يبكي الأردنيون ، لا تسأل الدموع عن الدين .
يا أهلنا وإخوتنا المسيحيين ، إنّنا لا نكتب إليكم اليوم من موقع الدفاع عن علاقةٍ يشكّك فيها أحد ، ولا من باب تبرير جريمةٍ لا يبررها عقلٌ ولا ضمير ، بل نكتب إليكم من موقع الأخوّة الصادقة التي جمعتنا على هذه الأرض ، ومن قلبٍ أردنيّ يتألم لألمكم ، ويحزن لحزنكم ، ويتمنى لكم الصبر والسكينة .
لقد آلمنا مصابكم كما لو أنّ المصاب وقع في بيوتنا ، لأنّنا نعتبر أنفسنا من ذوي الضحايا ، ونشعر أنّ الذين فقدناهم هم أهلنا وإخوتنا ، وأنّ الحزن الذي يسكن قلوبكم يسكن قلوبنا . وما يحزنكم يحزننا ، وما يفرحكم يفرحنا ، وما يمسّ كرامتكم يمسّ كرامتنا ، وما يهدّد أمنكم يهدّد أمننا جميعاً .
هذه ليست كلمات مجاملةٍ تقال في ساعة الحزن ، بل حقيقةٌ عاشها الأردنيون جيلاً بعد جيل . فكم من جارٍ مسلمٍ وقف إلى جانب جاره المسيحي في محنته ، وكم من مسيحيّ شارك أخاه المسلم أفراحه وأتراحه ، وكم من بيتٍ أردنيّ لم تكن فيه المحبة بحاجةٍ إلى بطاقة تعريفٍ دينية حتى تفتح أبوابها للآخرين .
لقد علّمتنا الحياة في الأردن أنّ الأخوّة ليست شعاراً يُرفع في المناسبات ، بل موقفٌ يظهر في الشدائد ، وأنّ العيش المشترك ليس عبارةً في خطابٍ رسمي ، بل ممارسةٌ يومية تتجسد في الجيرة ، والعمل ، والصداقة ، والمصاهرة ، والتعاون ، وإحترام كرامة الإنسان .
رسالة إلى كل أردنيّ وأردنية :
إنّ واجبنا اليوم أن نكون على قدر هذه اللحظة المؤلمة ، وأن نترجم أخوّتنا إلى مواقف عملية ، بالتضامن مع أسر الضحايا ، ومساندة المصابين ، وإحترام مشاعر المفجوعين ، والوقوف إلى جانب كل من أصابه هذا الاعتداء بوجعٍ أو خوف .
وواجبنا كذلك أن نمنح الجهات الأمنية والقضائية الثقة والمساحة اللازمة لكشف ملابسات الجريمة ، وأن نبتعد عن تداول الشائعات والمقاطع المضللة والإتهامات غير المثبتة ، لأنّ الكلمة قد تداوي جرحاً ، وقد تفتح جرحاً آخر ، وقد تبني جسراً من المحبة ، وقد تشعل ناراً لا تخدم إلا أعداء الوطن .
إنّ قوة الأردن لا تقاس فقط بقدرته على حماية حدوده ، بل أيضاً بقدرته على حماية نسيجه الإجتماعي ، وصيانة كرامة مواطنيه ، وترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية ، والتصدي لكل فكرٍ يسعى إلى تقسيم المجتمع على أساس الدين أو المعتقد .
وسيبقى الأردن ، بإذن الله ، وطناً يجمع أبناءه تحت رايةٍ واحدة ، وقيادةٍ هاشميةٍ واحدة ، ومصيرٍ مشترك ، وسيبقى المسلمون والمسيحيون شركاء في بناء حاضره وصناعة مستقبله ، لا تفرّقهم جريمة ، ولا تهزمهم مؤامرة ، ولا تنتزع من قلوبهم جذور المحبة التي امتدت عبر السنين .
ونقولها من القلب ، وبكل ما نحمله من صدق الإنتماء لهذا الوطن :
إنّ دماء الضحايا أمانةٌ في أعناقنا جميعاً ، وأحزان أسرهم أحزاننا ، وكرامة إخوتنا المسيحيين من كرامتنا ، وأمنهم من أمننا ، ومستقبل أبنائهم من مستقبل أبنائنا .
لن نسمح لجريمةٍ أن تعرّف علاقتنا ، ولن نسمح للتطرف أن يختطف ديننا ، ولن نسمح للكراهية أن تسرق منّا إنسانيتنا ، ولن نسمح للفتنة أن تعبث بوطنٍ بناه الأردنيون معاً ، وحموه معاً ، وسيواصلون مسيرة بنائه معاً .
أسأل الله العظيم أن يلهم ذويهم الصبر والسلوان ، وأن يمنّ على المصابين بالشفاء العاجل ، وحمى الأردن وأهله من كل سوء .
عاش الأردن وطناً للمحبة والكرامة والعيش المشترك ، وعاش الأردنيون إخوةً متحابين ، مسلمين ومسيحيين ، تحت راية الوطن وقيادته الهاشمية ، عصيّين على الفتنة ، أقوياء بوحدتهم ، أوفياء لأرضهم ، متمسكين بقيم دينهم وإنسانيتهم .
التعليقات