د . مهدي مبارك عبد الله
تتجه الدولة العبرية في السابع والعشرين من أكتوبر الجاري نحو الصناديق للاقتراع في أول انتخابات عامة تشهدها منذ أربع سنوات وهي محطة مفصلية تأتي في توقيت استثنائي تعيش فيه المنطقة فوق صفيح جيوسياسي ساخن وتواجه فيه إسرائيل حزمة مركبة من أزمات السياسة الخارجية والتحديات البنيوية الداخلية التي تفرض ظلالاً قاتمة على مستقبل الاستقرار الإقليمي حيث يكتسب هذا الاستحقاق أهمية بالغة بالنظر إلى الطبيعة الهشة للنظام السياسي الإسرائيلي الذي لطالما عجزت حكوماته المتعاقبة عن إكمال ولايتها القانونية غير أن ائتلاف بنيامين نتنياهو الحالي نجح في تشكيل استثناء تاريخي فريد بوصفه ثاني ائتلاف نيابي منذ إعلان قيام إسرائيل عام 1948 يتمكن من الصمود وإكمال مدته الدستورية بالرغم من العواصف العاتية التي أحاطت به من كل حدب وصوب.
التحليلات السياسية الرصينة التي نشرتها صحيفة هم ميهن الايرانية في تقريرها الموسع ترى أن هذا الإنجاز البنيوي الفريد يعود بالدرجة الأولى إلى المناورة التكتيكية والمهارة السياسية الفائقة التي ظل يتمتع بها نتنياهو في إدارة التناقضات الحزبية فضلاً عن موجة الدعم اليميني الجارف وغير المسبوق التي حظي بها في أعقاب الهجمات الدامية التي شنتها حركة حماس في السابع من أكتوبر عام 2023 لكن أن هذا التماسك الحديدي بدأ يتآكل تدريجياً ويفقد بريقه مع تعالي أصوات قطاعات واسعة من الناخبين الإسرائيليين التي بدأت توجّه انتقادات لاذعة لنتنياهو بسبب إخفاقه الاستخباراتي في منع أحداث السابع من أكتوبر وطريقة إدارته المستنزفة للحرب في قطاع غزة وفشله في صياغة استراتيجية إقليمية واضحة المعالم مما أدى في نهاية المطاف إلى تعميق العزلة الدولية لإسرائيل وتصاعد وتيرة الاحتقان والتوتر مع أبرز شركائها الخارجيين وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا .
على الصعيد الداخلي بادر نتنياهو إلى تبني استراتيجيات حمائية ذات كلفة سياسية باهظة بهدف الحفاظ على وحدة الائتلاف الحاكم وضمان ولائه المطلق من أبرزها حزمة التعديلات القضائية المصممة لإضعاف استقلال المحكمة العليا وهي الخطوة المتهورة التي فجّرت الشارع العبري وأشعلت احتجاجات عارمة وغير مسبوقة طوال عام 2023 كما ان نتنياهو سعى ببراغماتية مفرطة إلى تشريع قوانين تعفي اليهود الأرثوذكس المتشددين المعروفين بالحريديم من الخدمة العسكرية الإجبارية وهو النهج الذي واجه معارضة شعبية كاسحة ونفوراً جماهيرياً واسع النطاق لاسيما بعد انخراط الجيش الإسرائيلي في حروب استنزاف طاحنة ومتعددة الجبهات تكبد فيها خسائر بشرية وعسكرية فادحة في الأرواح والعتاد منذ اندلاع المواجهات الراهنة. سياسيا نتنياهو بصفته الزعيم التاريخي لحزب الليكود يمثل قاطرة تيار اليمين واليمين الوسطي وهي الكتلة التصويتية الصلبة التي تستحوذ تاريخياً على الحصة الأكبر من أصوات الناخبين الإسرائيليين ومع ذلك فإن هذا المعسكر المحافظ يعاني اليوم من انقسامات عميقة وتصدعات بينية حادة حيث تصطدم الأحزاب العلمانية القومية التي تصر على دمج الحريديم في السلك العسكري بالأحزاب الدينية المتشددة التي ترفض مطلقاً إلحاق أبنائها بالخدمة بالإضافة إلى تنامي جبهة اليمين القومي المعارضة لنتنياهو شخصياً بسبب ملاحقاته القضائية بتهم الفساد المالي وتراجعه في إدارة السياسة الخارجية منذ أزمة أكتوبر الفاصلة .
على الجانب الاخر يتبلور مشهد المعارضة الإسرائيلية من الوسطيين واليساريين ضمن توليفة هشة تفتقر للبرامج والرؤى السياسية الموحدة وتتغذى أساساً على العداء المشترك والرفض المطلق لشخص نتنياهو دون سواه حيث تبنى التيار الوسطي مواقف راديكالية متطابقة مع أطروحات اليمين مثل الرفض القاطع لإقامة دولة فلسطينية في المدى المنظور ورفض أي انسحاب عسكري من قطاع غزة في حين تنأى أحزاب يسار الوسط واليسار بنفسها عن إدراج هذه الملفات المصيرية في صدارة أجندتها السياسية للتفاوض الائتلافي مفضلة التركيز على قضايا حيوية داخلية كالبيئة وملف حقوق المواطنين العرب داخل الخط الأخضر.
النظام الانتخابي الإسرائيلي بطبيعته يمنح مرونة فائقة وتذبذباً مستمراً في صناعة القرار بسبب الانخفاض الشديد لنسبة الحسم المطلوبة لدخول الكنيست والتي لا تتعدى حاجز الثلاثة والربع بالمائة فقط ونتيجة لهذه العتبة المنخفضة تتحول الكتل الحزبية الصغيرة والهامشية في كثير من الأحيان إلى بيضة القبان والطرف الحاسم القادر على فرض شروطه وإملاءاته لتشكيل أي حكومة جديدة خصوصاً عندما تظهر استطلاعات الرأي نتائج متقاربة وحرجة بين المعسكرين المتنافسين. هذه القراءة التحليلية المعمقة تنطلق من فرضية مرجحة تشير إلى احتمال فوز نتنياهو وتجديد ولايته في الانتخابات المقبلة حيث تستعرض الخطوات الراديكالية المتوقعة التي قد يقدم عليها وريث العرش السياسي في تل أبيب وهو سيناريو قابل للتحقق عبر مسارين تكتيكيين الأول يتمثل في وقوع حدث أمني أو عسكري داهم وغير متوقع قبيل السابع والعشرين من أكتوبر يصب مباشرة في مصلحة نتنياهو كتعرض الدولة العبرية لهجوم مسلح مفاجئ أو تدحرج التصعيد الإقليمي نحو مواجهة مباشرة وشاملة تشن فيها إيران ضربات صاروخية واسعة النطاق مما سيؤدي حتماً إلى خلق موجة عارمة من التضامن الوطني الداخلي والالتفاف حول القيادة ليعزز موقع الليكود ويدفعه للصدارة ممهداً الطريق لإعادة إنتاج الحكومة الحالية بتركيبتها المتطرفة التي تضم حزبي شاس ويهدوت هتوراه الدينيين وحزبي الصهيونية الدينية وعوتسما يهوديت المتطرفين إلى جانب حزبي أمل جديد وشعب إسرائيل .
أما المسار الثاني للعودة فيتحقق عبر احتفاظ حزب الليكود بزعامة نتنياهو بالكتلة البرلمانية الأكبر في الكنيست دون القدرة على تأمين ائتلاف مستقر يضمن أغلبية الواحد والستين مقعداً وفي هذه الحالة سيلجأ الثعلب السياسي إلى استقطاب أحزاب يمينية من خارج معسكره التقليدي مثل حزب إسرائيل بيتنا الذي شارك سابقاً في حكومته أو السعي الدؤوب لاختراق الكتل المعارضة واستمالة عدد من أعضاء الكنيست الأفراد للانضمام إلى تحالفه لضمان الأغلبية اللازمة لحكم البلاد وتأمين حصانته السياسية والقضائية. عمليا التداعيات المباشرة لعودة نتنياهو إلى سدة الحكم ستترجم فوراً على أرض الواقع عبر خطوات واضحة ومباشرة تستهدف اولا الحسم النهائي لملف الضفة الغربية المحتلة حيث ستطلق حكومته الجديدة العنان لتسريع الاستيطان وقوننة البؤر العشوائية واستخدام القوة العسكرية لتنفيذ عمليات تهجير قسري واسعة النطاق بحق الفلسطينيين دون أي تراجع أمام الانتقادات الدولية بل قد تبدي حكومته الجديدة استعداداً كاملاً لتحمل كلفة العقوبات الاقتصادية الأوروبية في سبيل فرض واقع ديموغرافي وسياسي جديد ينهي تماماً أي أفق للمشروع الوطني الفلسطيني . في قطاع غزة حكومة نتنياهو العائدة بقوة ستتبنى موقفاً حاسماً يرفض تماماً الانسحاب العسكري أو تسليم مقاليد القطاع لحكومة تكنوقراط فلسطينية كما ستمنع نشر أي قوات حفظ سلام دولية وتعمل بالمقابل على تشجيع إقامة مستوطنات يهودية جديدة فوق ركام غزة وهو نهج متطرف سيقود حتماً إلى صدام سياسي مباشر مع إدارة الرئيس ترامب وخطته الإقليمية للسلام .
فيما يخص الجبهة اللبنانية الساخنة ستتحرك الحكومة الاسرائيلية الجديدة فوراً لتثبيت وجودها العسكري في المناطق العازلة التي أنشأتها داخل جنوب لبنان وسيدفع وزراء اليمين المتطرف باتجاه بناء بؤر استيطانية في العمق اللبناني وبدلاً من التعاون مع الحكومة اللبنانية لنزع سلاح حزب الله ستعتمد تل أبيب كلياً على آلة الحرب الخشنة والضربات الاستباقية لفرض معادلاتها الميدانية دون أن يمنع ذلك نتنياهو من مقايضة الانسحاب اللبناني بتنازل استراتيجي ضخم من ترامب يدعم ضم أجزاء من الضفة الغربية في حين ستكثف أجهزة الاستخبارات ضرباتها السرية لإضعاف حكومة أحمد الشرع في دمشق باعتبارها تشكل تهديداً مستمراً على تل ابيب. في ذروة هذا المشهد التحليلي المكثف يبرز الملف الإيراني كعنوان رئيسي لسياسة نتنياهو الهجومية التي ستتجاوز أي اعتراضات دبلوماسية أمريكية حيث سيسعى مستنداً لانتصاره الانتخابي الجديد وبثقة فائقة إلى دفع إدارة ترامب للمشاركة في ضربات جوية وصاروخية مشتركة ومدمرة تستهدف البنية التحتية لمنشآت طهران النووية والقواعد الصاروخية ومخازن السلاح التابعة للحرس الثوري لتصفية هذا الحساب التاريخي المعقد وحسم الصراع الإقليمي .
ختاما : من المؤكد وبالخبرة ان نتنياهو لن يتردد في خيار المواجهة الأحادية في حال تردد واشنطن أو تراجعها حيث سيدفعه تفويضه الانتخابي الجديد إلى شن هجمات عسكرية واسعة ومستقلة تستهدف عمق الأراضي الإيرانية بالتوازي مع ملاحقة أذرع طهران في الساحتين العراقية واليمنية مما سيقود المنطقة حتماً إلى أتون حرب مفتوحة تتداخل فيها الجبهات وتتحول فيها الممرات المائية الحاكمة إلى ساحات صدام صفري لا يمكن لأي طرف التنبؤ بنهايته الكارثية على الجميع .
كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية [email protected]
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |