الشاشاني: جمال الفكرة وقبح النتيجة


رم -
د . راشد الشاشاني
كي لا تصنعوا بأيديكم " الطبقيّة الجديدة " :
• لا تفعلها ، ولا تقبلها من أحد .
• لا تكن هشّاً ؛ فتأكلك النار .
• المُحسن في العلن ؛ سيّء في السرّ .
• لا تنخفض ؛ فتُعتلى .
• لا تُباع ؛ فتشترى .

من وحي الشارع وأحداث العالم نبدأ حديثنا ، في فرنسا ؛ قطعة من جمال أوروبا وحلم أبناء منطقتنا ؛ تعجّ الشوارع بمظاهر حطام معالم الحضارة وأدخنة الغضب ورماد احتراق الأحلام ، لن ندخل في التفاصيل بقدر ما نريد الـتأكيد على اختلاف أساس طبيعة مشهد كهذا بين تلك البلاد ومثيله في بلادنا ، لكنّنا نؤكّد أنّ هناك قاسما مشتركا وإن كان " أصغر من أصغر " لكنّه يعتمد أساساً له : تسويق فكرة السلطة .

مع الفارق الكبير الذي يغيّر جنس الحديث بين هنا وهناك ، يمكننا أن نخصّص حديثنا عن الرضا الشعبي المؤقّت ؛ الذي ينتهي غالبا بمظاهر كتلك التي نشاهدها حتى اليوم في بلادنا ، هذا الرضا الذي يحمِلُه حلم الهجرة ، تلك الرحلة التي قد تبدأ قبل ميلاد البعض ؛ أثناء حملها في ذهن الأهل قبل مولودهم ، وهم يسعون إلى تأمين مستوى لائقٍ لحياتهم وحياته .

لا تقوم هذه الفكرة على أساس من مبادرة ذاتية ؛ بِقدرِ ما تعتمد عقيدةً بُنيت عليها مجتمعاتنا ، تقوم هذه العقيدة على " صورةٍ فضيلةٍ " " سموٍّ ملائكي " " مرتبة أخلاقيّة " " مكانة معنويّة " وغيرها من أدبيّات فكرة الهجرة ، لا لذات الهجرة ؛ بل لمشهد العودة ومكنوز أحلام زمانها ، هذا المشهد الذي يحمل في ذخيرته " خُدعة " إطلاق الأحلام وتفجيرات الطموحات ؛ التي تطرحها السلطة في " سوق حرق سنوات " أبناء بلاد حكمها ، وهي تستفيد من حالة الهروب من مسؤولياتها هذه أمام عجزها عن تحقيق مصالح هؤلاء " مشترو بضاعة بناء المستقبل " .

المشكلة في مشهد " الخديعة هذا ؛ أنّ المخدوع جزء هذا المشهد الأهمّ ، وشريك هذا الجرم الأبرز ، حين تأخذه الأنانيّة نحو التسابق لحيازة مكان التفضّل على الآخرين ، حيث تُعجبه " مادّة الجريمة وقوامها " عندما تستولي على فكرِه وشخصيّتِهِ سطوة : " فتح مشاريع تخدم الوطن " " تشغيل أبناء الوطن " المساهمة في خفض البطالة " العمل على تقدّم المجتمع " " الظهور أمام الكاميرات والإعلام " "الشهرة بالإحسان للضعفاء " ... الخ .

في هذه اللحظة تجاهلت " الضحيّة " أنّ مسؤوليّاتٍ كهذهِ تقع من صميم عمل السلطة ، لا من واجِبِهِ هوَ ، لقد أضاعت السلطة _ وأضاعت معها الضحيّة _ ليس جهدَ الضحيّةِ وحدَه ؛ فيما لو استثمرت جهدها في أرضها ، الأمر تعدّى ذلك كثيراً إلى ضياع كلّ مَن تعلّقت حياتهم وارتبطت " بالجاني - الضحيّة " منذ لحظة بدءٍ مفترضةٍ في أرضه ؛ حتى لحظةِ تمامِ النجاح وما بعدها ؛ مروراً بكلّ هذه المراحل ، في مقابل ترك الطريق معبّداً أمام " ذيول السلطة ومحاسيبها " لنهب هذه المواقع .

ليس نهبها وحده المؤلم ، الأكثر إيلاماً أنّ هذا النهب يكون على " الصوافي " بلا أدنى جهد أو أقلّ مخاطرة ، من تلك التي تدفعها الضحيّة ومن معها ثمنا لقصّة " نجاح الاغتراب هذه " ، هذا الألم يزداد عند أتباع " الجاني- الضحيّة " في مقابل تضخّم الراحة عند أتباع " السلطة " التي لا تتؤك حتى مشهدآ انسانيّا إلّا وتدخله في اعتبارات التسلّط منها : الانتخابي ، أ, الجنائي عند التهرّب من عمليّات غسيل الأموال أو تهريب الممنوعات ؛ في إطار تبادل الأدوار بين مصلحة السلطة وحاجة الآخرين إلى نفوذها .

تنتهي هذه القّصة " بكلّ ألم " إلى أن تصبح عقيدةً ونموذجاً قياسيّا ؛ تتناقلُه أَلسُنُ العامّة في كلمات صباحها ومساءها ، كقولهم : " بيعمل مشاريع " " بشغلّ ولاد البلد " " إيدو للخير " " من المحسنين " ...الخ . عقيدة الوصول هذه لم تمكّن الفساد من التسلّط فوق رقاب " أصحاب الهمم " أو " الشغّيلة " باللهجة العاميّة ، أو أصحاب الطموحات فقط ، بل جعلت منها مادّةً للانقلاب عليهم من قبل أمثالهم ؛ لتحوّل جهد هؤلاء الضحايا إلى وقود يحرقون فيه بعضهم بعضا ، خلف مصطلّحات مثل " الريّاديّين " " والتمكين " " المساواة " " حقوق الانسان " " تطوير المشاريع " " منظّمات عمل مدني " " دعم المرأة " " دعم ضحايا " " دعم الطفولة " وغير ذلك الكثير ...الخ ؛ تكمن تفاصيل كثيرة لا مجال لبحثها هنا .

لم يتوقّف الأمر عند ذلك ؛ بل تعدّاه إلى أن تضع هذه العقيدة سقفاً لأحلام " السُعاة المجتهدين المقتدرين " بحيث لا تتعدى إرادة " المتسلّطين ، بمعنى آخر : إنّها " الطبقيّة الجديدة " التي تسلّط فيها " التنابل والكُسالى والجهلة السارقين " على رقاب وجهود " القادرين " .

ربّما يقول قائل : أنّ هذا لن يغيّر من الأمرِ شيئاً . هناك ما يُقال عادةً : إنّها " صرخةً في وادٍ " .

نحن لا نقرُّ أيّةَ عقيدةٍ راسخةٍ ، لا نقبل بالمسلّماتِ ولا نتجاهلُ " الغرائب " فإذا عرَضنا فكرَتَنا حول " صرخةِ الوادِ " قُلنا : أنّ من يصرخ في جماعةٍ أو مكانٍ يملؤهُ الناسُ ؛ سَتَنتهي صرخَتُهُ بانتهاءِ " نَغمَتها أو رنينها " تبعاً لذلك ؛ سينتهي أثرها ، بعد أن يُقدّم السامعُ " ولو كانِ جمعاً كبيراً " حُكمَهُ الآنيَّ السريع ؛ الذي يعتمدُ الظاهرَ مُرتكزاً ؛ ويُنهي أمرَ الصارخ قبل أمر صراخِهِ ، ما يعني أنّه سيقف أمام جدار أكبرَ من سابِقه ، هو : جدارُ العامّة ؛ التي قرّرت مصير صراخِهِ ، بمعنى : أنّه لن يتحكّم في صرخته هذه ,

لكن بالمقابل : إن حوّل صرختك إلى " واد إصرارِهِ ووحدته " أعفى ذاتَه من لوم العامّة وحكمها ومتاعب هذا الحكم وتحديّاته ، وعادَ صلباً أمام هدفِه ورؤيتِهِ في وجوب سير الأحداثِ كما يُحبّ هو لا غيره ، وإِن طال زمانها .

لأجل هذا وغيره ؛ كنت أنت الحَكَمَ على نفسك ، والمنفّذ لأوامرها ، حين تفعل ذلك ؛ لن تُفوّت على أولئك المتسلّطين فرصة " إحراق عمرك " و نهبك فقط ، بل ستفوّتُ على من يُؤخّر تقدّمك مَكرَه فيك .



عدد المشاهدات : (3877)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :