د . راشد الشاشاني كي لا تصنعوا بأيديكم ' الطبقيّة الجديدة ' : • لا تفعلها ، ولا تقبلها من أحد . • لا تكن هشّاً ؛ فتأكلك النار . • المُحسن في العلن ؛ سيّء في السرّ . • لا تنخفض ؛ فتُعتلى . • لا تُباع ؛ فتشترى .
من وحي الشارع وأحداث العالم نبدأ حديثنا ، في فرنسا ؛ قطعة من جمال أوروبا وحلم أبناء منطقتنا ؛ تعجّ الشوارع بمظاهر حطام معالم الحضارة وأدخنة الغضب ورماد احتراق الأحلام ، لن ندخل في التفاصيل بقدر ما نريد الـتأكيد على اختلاف أساس طبيعة مشهد كهذا بين تلك البلاد ومثيله في بلادنا ، لكنّنا نؤكّد أنّ هناك قاسما مشتركا وإن كان ' أصغر من أصغر ' لكنّه يعتمد أساساً له : تسويق فكرة السلطة .
مع الفارق الكبير الذي يغيّر جنس الحديث بين هنا وهناك ، يمكننا أن نخصّص حديثنا عن الرضا الشعبي المؤقّت ؛ الذي ينتهي غالبا بمظاهر كتلك التي نشاهدها حتى اليوم في بلادنا ، هذا الرضا الذي يحمِلُه حلم الهجرة ، تلك الرحلة التي قد تبدأ قبل ميلاد البعض ؛ أثناء حملها في ذهن الأهل قبل مولودهم ، وهم يسعون إلى تأمين مستوى لائقٍ لحياتهم وحياته .
لا تقوم هذه الفكرة على أساس من مبادرة ذاتية ؛ بِقدرِ ما تعتمد عقيدةً بُنيت عليها مجتمعاتنا ، تقوم هذه العقيدة على ' صورةٍ فضيلةٍ ' ' سموٍّ ملائكي ' ' مرتبة أخلاقيّة ' ' مكانة معنويّة ' وغيرها من أدبيّات فكرة الهجرة ، لا لذات الهجرة ؛ بل لمشهد العودة ومكنوز أحلام زمانها ، هذا المشهد الذي يحمل في ذخيرته ' خُدعة ' إطلاق الأحلام وتفجيرات الطموحات ؛ التي تطرحها السلطة في ' سوق حرق سنوات ' أبناء بلاد حكمها ، وهي تستفيد من حالة الهروب من مسؤولياتها هذه أمام عجزها عن تحقيق مصالح هؤلاء ' مشترو بضاعة بناء المستقبل ' .
المشكلة في مشهد ' الخديعة هذا ؛ أنّ المخدوع جزء هذا المشهد الأهمّ ، وشريك هذا الجرم الأبرز ، حين تأخذه الأنانيّة نحو التسابق لحيازة مكان التفضّل على الآخرين ، حيث تُعجبه ' مادّة الجريمة وقوامها ' عندما تستولي على فكرِه وشخصيّتِهِ سطوة : ' فتح مشاريع تخدم الوطن ' ' تشغيل أبناء الوطن ' المساهمة في خفض البطالة ' العمل على تقدّم المجتمع ' ' الظهور أمام الكاميرات والإعلام ' 'الشهرة بالإحسان للضعفاء ' ... الخ .
في هذه اللحظة تجاهلت ' الضحيّة ' أنّ مسؤوليّاتٍ كهذهِ تقع من صميم عمل السلطة ، لا من واجِبِهِ هوَ ، لقد أضاعت السلطة _ وأضاعت معها الضحيّة _ ليس جهدَ الضحيّةِ وحدَه ؛ فيما لو استثمرت جهدها في أرضها ، الأمر تعدّى ذلك كثيراً إلى ضياع كلّ مَن تعلّقت حياتهم وارتبطت ' بالجاني - الضحيّة ' منذ لحظة بدءٍ مفترضةٍ في أرضه ؛ حتى لحظةِ تمامِ النجاح وما بعدها ؛ مروراً بكلّ هذه المراحل ، في مقابل ترك الطريق معبّداً أمام ' ذيول السلطة ومحاسيبها ' لنهب هذه المواقع .
ليس نهبها وحده المؤلم ، الأكثر إيلاماً أنّ هذا النهب يكون على ' الصوافي ' بلا أدنى جهد أو أقلّ مخاطرة ، من تلك التي تدفعها الضحيّة ومن معها ثمنا لقصّة ' نجاح الاغتراب هذه ' ، هذا الألم يزداد عند أتباع ' الجاني- الضحيّة ' في مقابل تضخّم الراحة عند أتباع ' السلطة ' التي لا تتؤك حتى مشهدآ انسانيّا إلّا وتدخله في اعتبارات التسلّط منها : الانتخابي ، أ, الجنائي عند التهرّب من عمليّات غسيل الأموال أو تهريب الممنوعات ؛ في إطار تبادل الأدوار بين مصلحة السلطة وحاجة الآخرين إلى نفوذها .
تنتهي هذه القّصة ' بكلّ ألم ' إلى أن تصبح عقيدةً ونموذجاً قياسيّا ؛ تتناقلُه أَلسُنُ العامّة في كلمات صباحها ومساءها ، كقولهم : ' بيعمل مشاريع ' ' بشغلّ ولاد البلد ' ' إيدو للخير ' ' من المحسنين ' ...الخ . عقيدة الوصول هذه لم تمكّن الفساد من التسلّط فوق رقاب ' أصحاب الهمم ' أو ' الشغّيلة ' باللهجة العاميّة ، أو أصحاب الطموحات فقط ، بل جعلت منها مادّةً للانقلاب عليهم من قبل أمثالهم ؛ لتحوّل جهد هؤلاء الضحايا إلى وقود يحرقون فيه بعضهم بعضا ، خلف مصطلّحات مثل ' الريّاديّين ' ' والتمكين ' ' المساواة ' ' حقوق الانسان ' ' تطوير المشاريع ' ' منظّمات عمل مدني ' ' دعم المرأة ' ' دعم ضحايا ' ' دعم الطفولة ' وغير ذلك الكثير ...الخ ؛ تكمن تفاصيل كثيرة لا مجال لبحثها هنا .
لم يتوقّف الأمر عند ذلك ؛ بل تعدّاه إلى أن تضع هذه العقيدة سقفاً لأحلام ' السُعاة المجتهدين المقتدرين ' بحيث لا تتعدى إرادة ' المتسلّطين ، بمعنى آخر : إنّها ' الطبقيّة الجديدة ' التي تسلّط فيها ' التنابل والكُسالى والجهلة السارقين ' على رقاب وجهود ' القادرين ' .
ربّما يقول قائل : أنّ هذا لن يغيّر من الأمرِ شيئاً . هناك ما يُقال عادةً : إنّها ' صرخةً في وادٍ ' .
نحن لا نقرُّ أيّةَ عقيدةٍ راسخةٍ ، لا نقبل بالمسلّماتِ ولا نتجاهلُ ' الغرائب ' فإذا عرَضنا فكرَتَنا حول ' صرخةِ الوادِ ' قُلنا : أنّ من يصرخ في جماعةٍ أو مكانٍ يملؤهُ الناسُ ؛ سَتَنتهي صرخَتُهُ بانتهاءِ ' نَغمَتها أو رنينها ' تبعاً لذلك ؛ سينتهي أثرها ، بعد أن يُقدّم السامعُ ' ولو كانِ جمعاً كبيراً ' حُكمَهُ الآنيَّ السريع ؛ الذي يعتمدُ الظاهرَ مُرتكزاً ؛ ويُنهي أمرَ الصارخ قبل أمر صراخِهِ ، ما يعني أنّه سيقف أمام جدار أكبرَ من سابِقه ، هو : جدارُ العامّة ؛ التي قرّرت مصير صراخِهِ ، بمعنى : أنّه لن يتحكّم في صرخته هذه ,
لكن بالمقابل : إن حوّل صرختك إلى ' واد إصرارِهِ ووحدته ' أعفى ذاتَه من لوم العامّة وحكمها ومتاعب هذا الحكم وتحديّاته ، وعادَ صلباً أمام هدفِه ورؤيتِهِ في وجوب سير الأحداثِ كما يُحبّ هو لا غيره ، وإِن طال زمانها .
لأجل هذا وغيره ؛ كنت أنت الحَكَمَ على نفسك ، والمنفّذ لأوامرها ، حين تفعل ذلك ؛ لن تُفوّت على أولئك المتسلّطين فرصة ' إحراق عمرك ' و نهبك فقط ، بل ستفوّتُ على من يُؤخّر تقدّمك مَكرَه فيك .
د . راشد الشاشاني كي لا تصنعوا بأيديكم ' الطبقيّة الجديدة ' : • لا تفعلها ، ولا تقبلها من أحد . • لا تكن هشّاً ؛ فتأكلك النار . • المُحسن في العلن ؛ سيّء في السرّ . • لا تنخفض ؛ فتُعتلى . • لا تُباع ؛ فتشترى .
من وحي الشارع وأحداث العالم نبدأ حديثنا ، في فرنسا ؛ قطعة من جمال أوروبا وحلم أبناء منطقتنا ؛ تعجّ الشوارع بمظاهر حطام معالم الحضارة وأدخنة الغضب ورماد احتراق الأحلام ، لن ندخل في التفاصيل بقدر ما نريد الـتأكيد على اختلاف أساس طبيعة مشهد كهذا بين تلك البلاد ومثيله في بلادنا ، لكنّنا نؤكّد أنّ هناك قاسما مشتركا وإن كان ' أصغر من أصغر ' لكنّه يعتمد أساساً له : تسويق فكرة السلطة .
مع الفارق الكبير الذي يغيّر جنس الحديث بين هنا وهناك ، يمكننا أن نخصّص حديثنا عن الرضا الشعبي المؤقّت ؛ الذي ينتهي غالبا بمظاهر كتلك التي نشاهدها حتى اليوم في بلادنا ، هذا الرضا الذي يحمِلُه حلم الهجرة ، تلك الرحلة التي قد تبدأ قبل ميلاد البعض ؛ أثناء حملها في ذهن الأهل قبل مولودهم ، وهم يسعون إلى تأمين مستوى لائقٍ لحياتهم وحياته .
لا تقوم هذه الفكرة على أساس من مبادرة ذاتية ؛ بِقدرِ ما تعتمد عقيدةً بُنيت عليها مجتمعاتنا ، تقوم هذه العقيدة على ' صورةٍ فضيلةٍ ' ' سموٍّ ملائكي ' ' مرتبة أخلاقيّة ' ' مكانة معنويّة ' وغيرها من أدبيّات فكرة الهجرة ، لا لذات الهجرة ؛ بل لمشهد العودة ومكنوز أحلام زمانها ، هذا المشهد الذي يحمل في ذخيرته ' خُدعة ' إطلاق الأحلام وتفجيرات الطموحات ؛ التي تطرحها السلطة في ' سوق حرق سنوات ' أبناء بلاد حكمها ، وهي تستفيد من حالة الهروب من مسؤولياتها هذه أمام عجزها عن تحقيق مصالح هؤلاء ' مشترو بضاعة بناء المستقبل ' .
المشكلة في مشهد ' الخديعة هذا ؛ أنّ المخدوع جزء هذا المشهد الأهمّ ، وشريك هذا الجرم الأبرز ، حين تأخذه الأنانيّة نحو التسابق لحيازة مكان التفضّل على الآخرين ، حيث تُعجبه ' مادّة الجريمة وقوامها ' عندما تستولي على فكرِه وشخصيّتِهِ سطوة : ' فتح مشاريع تخدم الوطن ' ' تشغيل أبناء الوطن ' المساهمة في خفض البطالة ' العمل على تقدّم المجتمع ' ' الظهور أمام الكاميرات والإعلام ' 'الشهرة بالإحسان للضعفاء ' ... الخ .
في هذه اللحظة تجاهلت ' الضحيّة ' أنّ مسؤوليّاتٍ كهذهِ تقع من صميم عمل السلطة ، لا من واجِبِهِ هوَ ، لقد أضاعت السلطة _ وأضاعت معها الضحيّة _ ليس جهدَ الضحيّةِ وحدَه ؛ فيما لو استثمرت جهدها في أرضها ، الأمر تعدّى ذلك كثيراً إلى ضياع كلّ مَن تعلّقت حياتهم وارتبطت ' بالجاني - الضحيّة ' منذ لحظة بدءٍ مفترضةٍ في أرضه ؛ حتى لحظةِ تمامِ النجاح وما بعدها ؛ مروراً بكلّ هذه المراحل ، في مقابل ترك الطريق معبّداً أمام ' ذيول السلطة ومحاسيبها ' لنهب هذه المواقع .
ليس نهبها وحده المؤلم ، الأكثر إيلاماً أنّ هذا النهب يكون على ' الصوافي ' بلا أدنى جهد أو أقلّ مخاطرة ، من تلك التي تدفعها الضحيّة ومن معها ثمنا لقصّة ' نجاح الاغتراب هذه ' ، هذا الألم يزداد عند أتباع ' الجاني- الضحيّة ' في مقابل تضخّم الراحة عند أتباع ' السلطة ' التي لا تتؤك حتى مشهدآ انسانيّا إلّا وتدخله في اعتبارات التسلّط منها : الانتخابي ، أ, الجنائي عند التهرّب من عمليّات غسيل الأموال أو تهريب الممنوعات ؛ في إطار تبادل الأدوار بين مصلحة السلطة وحاجة الآخرين إلى نفوذها .
تنتهي هذه القّصة ' بكلّ ألم ' إلى أن تصبح عقيدةً ونموذجاً قياسيّا ؛ تتناقلُه أَلسُنُ العامّة في كلمات صباحها ومساءها ، كقولهم : ' بيعمل مشاريع ' ' بشغلّ ولاد البلد ' ' إيدو للخير ' ' من المحسنين ' ...الخ . عقيدة الوصول هذه لم تمكّن الفساد من التسلّط فوق رقاب ' أصحاب الهمم ' أو ' الشغّيلة ' باللهجة العاميّة ، أو أصحاب الطموحات فقط ، بل جعلت منها مادّةً للانقلاب عليهم من قبل أمثالهم ؛ لتحوّل جهد هؤلاء الضحايا إلى وقود يحرقون فيه بعضهم بعضا ، خلف مصطلّحات مثل ' الريّاديّين ' ' والتمكين ' ' المساواة ' ' حقوق الانسان ' ' تطوير المشاريع ' ' منظّمات عمل مدني ' ' دعم المرأة ' ' دعم ضحايا ' ' دعم الطفولة ' وغير ذلك الكثير ...الخ ؛ تكمن تفاصيل كثيرة لا مجال لبحثها هنا .
لم يتوقّف الأمر عند ذلك ؛ بل تعدّاه إلى أن تضع هذه العقيدة سقفاً لأحلام ' السُعاة المجتهدين المقتدرين ' بحيث لا تتعدى إرادة ' المتسلّطين ، بمعنى آخر : إنّها ' الطبقيّة الجديدة ' التي تسلّط فيها ' التنابل والكُسالى والجهلة السارقين ' على رقاب وجهود ' القادرين ' .
ربّما يقول قائل : أنّ هذا لن يغيّر من الأمرِ شيئاً . هناك ما يُقال عادةً : إنّها ' صرخةً في وادٍ ' .
نحن لا نقرُّ أيّةَ عقيدةٍ راسخةٍ ، لا نقبل بالمسلّماتِ ولا نتجاهلُ ' الغرائب ' فإذا عرَضنا فكرَتَنا حول ' صرخةِ الوادِ ' قُلنا : أنّ من يصرخ في جماعةٍ أو مكانٍ يملؤهُ الناسُ ؛ سَتَنتهي صرخَتُهُ بانتهاءِ ' نَغمَتها أو رنينها ' تبعاً لذلك ؛ سينتهي أثرها ، بعد أن يُقدّم السامعُ ' ولو كانِ جمعاً كبيراً ' حُكمَهُ الآنيَّ السريع ؛ الذي يعتمدُ الظاهرَ مُرتكزاً ؛ ويُنهي أمرَ الصارخ قبل أمر صراخِهِ ، ما يعني أنّه سيقف أمام جدار أكبرَ من سابِقه ، هو : جدارُ العامّة ؛ التي قرّرت مصير صراخِهِ ، بمعنى : أنّه لن يتحكّم في صرخته هذه ,
لكن بالمقابل : إن حوّل صرختك إلى ' واد إصرارِهِ ووحدته ' أعفى ذاتَه من لوم العامّة وحكمها ومتاعب هذا الحكم وتحديّاته ، وعادَ صلباً أمام هدفِه ورؤيتِهِ في وجوب سير الأحداثِ كما يُحبّ هو لا غيره ، وإِن طال زمانها .
لأجل هذا وغيره ؛ كنت أنت الحَكَمَ على نفسك ، والمنفّذ لأوامرها ، حين تفعل ذلك ؛ لن تُفوّت على أولئك المتسلّطين فرصة ' إحراق عمرك ' و نهبك فقط ، بل ستفوّتُ على من يُؤخّر تقدّمك مَكرَه فيك .
د . راشد الشاشاني كي لا تصنعوا بأيديكم ' الطبقيّة الجديدة ' : • لا تفعلها ، ولا تقبلها من أحد . • لا تكن هشّاً ؛ فتأكلك النار . • المُحسن في العلن ؛ سيّء في السرّ . • لا تنخفض ؛ فتُعتلى . • لا تُباع ؛ فتشترى .
من وحي الشارع وأحداث العالم نبدأ حديثنا ، في فرنسا ؛ قطعة من جمال أوروبا وحلم أبناء منطقتنا ؛ تعجّ الشوارع بمظاهر حطام معالم الحضارة وأدخنة الغضب ورماد احتراق الأحلام ، لن ندخل في التفاصيل بقدر ما نريد الـتأكيد على اختلاف أساس طبيعة مشهد كهذا بين تلك البلاد ومثيله في بلادنا ، لكنّنا نؤكّد أنّ هناك قاسما مشتركا وإن كان ' أصغر من أصغر ' لكنّه يعتمد أساساً له : تسويق فكرة السلطة .
مع الفارق الكبير الذي يغيّر جنس الحديث بين هنا وهناك ، يمكننا أن نخصّص حديثنا عن الرضا الشعبي المؤقّت ؛ الذي ينتهي غالبا بمظاهر كتلك التي نشاهدها حتى اليوم في بلادنا ، هذا الرضا الذي يحمِلُه حلم الهجرة ، تلك الرحلة التي قد تبدأ قبل ميلاد البعض ؛ أثناء حملها في ذهن الأهل قبل مولودهم ، وهم يسعون إلى تأمين مستوى لائقٍ لحياتهم وحياته .
لا تقوم هذه الفكرة على أساس من مبادرة ذاتية ؛ بِقدرِ ما تعتمد عقيدةً بُنيت عليها مجتمعاتنا ، تقوم هذه العقيدة على ' صورةٍ فضيلةٍ ' ' سموٍّ ملائكي ' ' مرتبة أخلاقيّة ' ' مكانة معنويّة ' وغيرها من أدبيّات فكرة الهجرة ، لا لذات الهجرة ؛ بل لمشهد العودة ومكنوز أحلام زمانها ، هذا المشهد الذي يحمل في ذخيرته ' خُدعة ' إطلاق الأحلام وتفجيرات الطموحات ؛ التي تطرحها السلطة في ' سوق حرق سنوات ' أبناء بلاد حكمها ، وهي تستفيد من حالة الهروب من مسؤولياتها هذه أمام عجزها عن تحقيق مصالح هؤلاء ' مشترو بضاعة بناء المستقبل ' .
المشكلة في مشهد ' الخديعة هذا ؛ أنّ المخدوع جزء هذا المشهد الأهمّ ، وشريك هذا الجرم الأبرز ، حين تأخذه الأنانيّة نحو التسابق لحيازة مكان التفضّل على الآخرين ، حيث تُعجبه ' مادّة الجريمة وقوامها ' عندما تستولي على فكرِه وشخصيّتِهِ سطوة : ' فتح مشاريع تخدم الوطن ' ' تشغيل أبناء الوطن ' المساهمة في خفض البطالة ' العمل على تقدّم المجتمع ' ' الظهور أمام الكاميرات والإعلام ' 'الشهرة بالإحسان للضعفاء ' ... الخ .
في هذه اللحظة تجاهلت ' الضحيّة ' أنّ مسؤوليّاتٍ كهذهِ تقع من صميم عمل السلطة ، لا من واجِبِهِ هوَ ، لقد أضاعت السلطة _ وأضاعت معها الضحيّة _ ليس جهدَ الضحيّةِ وحدَه ؛ فيما لو استثمرت جهدها في أرضها ، الأمر تعدّى ذلك كثيراً إلى ضياع كلّ مَن تعلّقت حياتهم وارتبطت ' بالجاني - الضحيّة ' منذ لحظة بدءٍ مفترضةٍ في أرضه ؛ حتى لحظةِ تمامِ النجاح وما بعدها ؛ مروراً بكلّ هذه المراحل ، في مقابل ترك الطريق معبّداً أمام ' ذيول السلطة ومحاسيبها ' لنهب هذه المواقع .
ليس نهبها وحده المؤلم ، الأكثر إيلاماً أنّ هذا النهب يكون على ' الصوافي ' بلا أدنى جهد أو أقلّ مخاطرة ، من تلك التي تدفعها الضحيّة ومن معها ثمنا لقصّة ' نجاح الاغتراب هذه ' ، هذا الألم يزداد عند أتباع ' الجاني- الضحيّة ' في مقابل تضخّم الراحة عند أتباع ' السلطة ' التي لا تتؤك حتى مشهدآ انسانيّا إلّا وتدخله في اعتبارات التسلّط منها : الانتخابي ، أ, الجنائي عند التهرّب من عمليّات غسيل الأموال أو تهريب الممنوعات ؛ في إطار تبادل الأدوار بين مصلحة السلطة وحاجة الآخرين إلى نفوذها .
تنتهي هذه القّصة ' بكلّ ألم ' إلى أن تصبح عقيدةً ونموذجاً قياسيّا ؛ تتناقلُه أَلسُنُ العامّة في كلمات صباحها ومساءها ، كقولهم : ' بيعمل مشاريع ' ' بشغلّ ولاد البلد ' ' إيدو للخير ' ' من المحسنين ' ...الخ . عقيدة الوصول هذه لم تمكّن الفساد من التسلّط فوق رقاب ' أصحاب الهمم ' أو ' الشغّيلة ' باللهجة العاميّة ، أو أصحاب الطموحات فقط ، بل جعلت منها مادّةً للانقلاب عليهم من قبل أمثالهم ؛ لتحوّل جهد هؤلاء الضحايا إلى وقود يحرقون فيه بعضهم بعضا ، خلف مصطلّحات مثل ' الريّاديّين ' ' والتمكين ' ' المساواة ' ' حقوق الانسان ' ' تطوير المشاريع ' ' منظّمات عمل مدني ' ' دعم المرأة ' ' دعم ضحايا ' ' دعم الطفولة ' وغير ذلك الكثير ...الخ ؛ تكمن تفاصيل كثيرة لا مجال لبحثها هنا .
لم يتوقّف الأمر عند ذلك ؛ بل تعدّاه إلى أن تضع هذه العقيدة سقفاً لأحلام ' السُعاة المجتهدين المقتدرين ' بحيث لا تتعدى إرادة ' المتسلّطين ، بمعنى آخر : إنّها ' الطبقيّة الجديدة ' التي تسلّط فيها ' التنابل والكُسالى والجهلة السارقين ' على رقاب وجهود ' القادرين ' .
ربّما يقول قائل : أنّ هذا لن يغيّر من الأمرِ شيئاً . هناك ما يُقال عادةً : إنّها ' صرخةً في وادٍ ' .
نحن لا نقرُّ أيّةَ عقيدةٍ راسخةٍ ، لا نقبل بالمسلّماتِ ولا نتجاهلُ ' الغرائب ' فإذا عرَضنا فكرَتَنا حول ' صرخةِ الوادِ ' قُلنا : أنّ من يصرخ في جماعةٍ أو مكانٍ يملؤهُ الناسُ ؛ سَتَنتهي صرخَتُهُ بانتهاءِ ' نَغمَتها أو رنينها ' تبعاً لذلك ؛ سينتهي أثرها ، بعد أن يُقدّم السامعُ ' ولو كانِ جمعاً كبيراً ' حُكمَهُ الآنيَّ السريع ؛ الذي يعتمدُ الظاهرَ مُرتكزاً ؛ ويُنهي أمرَ الصارخ قبل أمر صراخِهِ ، ما يعني أنّه سيقف أمام جدار أكبرَ من سابِقه ، هو : جدارُ العامّة ؛ التي قرّرت مصير صراخِهِ ، بمعنى : أنّه لن يتحكّم في صرخته هذه ,
لكن بالمقابل : إن حوّل صرختك إلى ' واد إصرارِهِ ووحدته ' أعفى ذاتَه من لوم العامّة وحكمها ومتاعب هذا الحكم وتحديّاته ، وعادَ صلباً أمام هدفِه ورؤيتِهِ في وجوب سير الأحداثِ كما يُحبّ هو لا غيره ، وإِن طال زمانها .
لأجل هذا وغيره ؛ كنت أنت الحَكَمَ على نفسك ، والمنفّذ لأوامرها ، حين تفعل ذلك ؛ لن تُفوّت على أولئك المتسلّطين فرصة ' إحراق عمرك ' و نهبك فقط ، بل ستفوّتُ على من يُؤخّر تقدّمك مَكرَه فيك .
التعليقات