رم - بقلم: المهندس قصي محمد حرب
منذ سنوات، طرحت فكرة ربط رخص المهن بمخرجات التعليم، انطلاقًا من قناعة بأن معالجة البطالة لا تبدأ عند أبواب التوظيف، بل من الطريقة التي نبني بها العلاقة بين التعليم والاقتصاد، وبين ما يتعلمه الفرد وما يحتاجه السوق فعلًا.
واليوم، أعتقد أن هذه الفكرة تستحق أن تتوسع من مجرد مقترح لتنظيم رخص المهن إلى مشروع اقتصادي متكامل يعيد النظر في العلاقة بين التعليم والتشغيل والاستثمار والإنتاجية.
فالمشكلة ليست دائمًا في عدد الوظائف المتاحة، ولا في أعداد الخريجين وحدها، بل في غياب منظومة متكاملة تجعل التعليم والتدريب والتشغيل والاستثمار حلقات مترابطة، تعمل لتحقيق هدف اقتصادي واحد.
هل نُعدّ الشباب لسوق العمل أم نتركهم يكتشفونه بعد التخرج؟
لسنوات طويلة، تعاملنا مع التعليم باعتباره مسارًا ينتهي بالحصول على الشهادة، ومع التوظيف باعتباره مرحلة تبدأ بعدها، وكأن المؤسستين تعملان في عالمين منفصلين.
لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم هو: لماذا لا تكون احتياجات الاقتصاد جزءًا أساسيًا من عملية التخطيط للتعليم، دون أن يتحول التعليم إلى مجرد مصنع لتخريج موظفين؟
نحتاج إلى منظومة تتوقع احتياجات القطاعات الاقتصادية، وتقرأ اتجاهات الاستثمار، وتحدد المهارات التي تحتاجها المنشآت، ثم تعمل على تطوير البرامج التعليمية والتدريبية بما ينسجم مع تلك الاحتياجات، مع الحفاظ على قيمة المعرفة والبحث العلمي ودورهما في بناء اقتصاد قادر على الابتكار.
فليس منطقيًا أن نناقش البطالة بمعزل عن التخصصات التي نُخرّجها، أو أن نناقش نقص الكفاءات بمعزل عن البرامج التي نقدمها، أو أن نطالب القطاع الخاص بالتوسع في التوظيف دون النظر إلى كلفة التشغيل ومستوى الإنتاجية والبيئة التشريعية التي يعمل فيها.
رخص المهن: من إجراء إداري إلى أداة اقتصادية
إن رخص المهن ليست مجرد وثائق تسمح للمنشآت بممارسة أنشطتها، بل يمكن تطوير دورها لتصبح إحدى أدوات تنظيم جودة الخدمات ورفع كفاءة سوق العمل.
ففي بعض الأنشطة، قد يكون من المناسب اشتراط وجود كفاءات مهنية محددة أو أشخاص مؤهلين ومعتمدين، وفقًا لطبيعة النشاط ومستوى المخاطر والمسؤوليات المرتبطة به.
وعلى سبيل المثال، يمكن دراسة ربط بعض الأنشطة الفنية بوجود فنيين مؤهلين، أو اشتراط وجود مسؤول مختص في المنشآت التي تتطلب طبيعة أعمالها إشرافًا مهنيًا محددًا.
لكن هذا التوجه يجب ألا يتحول إلى عبء إضافي على المستثمرين، أو إلى اشتراطات شكلية ترفع التكاليف دون أن تحقق قيمة حقيقية ، كما يجب ألا يُحصر التأهيل بالشهادة الجامعية؛ فالشهادات المهنية والتدريب التطبيقي والخبرة المعتمدة قد تكون أكثر ملاءمة في عدد من المهن.
المعيار الحقيقي يجب أن يكون الكفاءة التي يحتاجها النشاط، لا عدد الشهادات التي يحملها العاملون فيه.
وهنا يمكن أن تتحول رخصة المهنة من إجراء تقليدي إلى أداة تساعد في رفع جودة الخدمات، وتحفيز التدريب، وخلق طلب حقيقي على المهارات المطلوبة.
القطاع الخاص شريك في الحل، وليس مجرد جهة مطالبة بالتوظيف
لا يمكن تحميل القطاع الخاص وحده مسؤولية البطالة، كما لا يمكن إعفاؤه من دوره في تطوير الكفاءات الوطنية.
فالمنشآت تحتاج إلى بيئة تسمح لها بالنمو والاستثمار والتوسع، وتحتاج في الوقت نفسه إلى موظفين يمتلكون المهارات اللازمة لتحقيق الإنتاجية.
ومن هنا، فإن أي سياسة تربط الترخيص بالتأهيل يجب أن تدرس أثرها على كلفة تأسيس الشركات وتشغيلها، خصوصًا المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وأن تترافق مع حوافز للتدريب والتشغيل، وإجراءات مبسطة للاعتماد المهني، وفترات انتقالية عادلة عند تطبيق المتطلبات الجديدة.
فلا قيمة لتشريع يرفع مستوى المتطلبات نظريًا، إذا كانت نتيجته العملية زيادة كلفة الأعمال أو دفع بعض الأنشطة إلى العمل خارج الأطر الرسمية.
الهدف ليس زيادة القيود على المستثمر، بل بناء علاقة تحقق مصلحة المنشأة والعامل والاقتصاد الوطني في آن واحد.
ما الذي نحتاج إليه عمليًا؟
أرى أن تطوير هذه العلاقة يتطلب العمل على أربعة مسارات متوازية:
أولًا: قاعدة بيانات وطنية لاحتياجات سوق العمل ، تربط بين التخصصات ومعدلات التشغيل والرواتب والمهارات المطلوبة واحتياجات القطاعات الاقتصادية، وتُحدّث بصورة دورية، بحيث تستند قرارات القبول والتدريب والتوسع في البرامج إلى بيانات فعلية، لا إلى التوقعات وحدها.
ثانيًا: تصنيف المهن وفق متطلبات الكفاءة. بحيث تُحدد المهن التي تحتاج إلى ترخيص شخصي أو اعتماد مهني، والأنشطة التي يكفي فيها وجود موظفين مؤهلين داخل المنشأة، والأنشطة التي لا تستدعي اشتراط مؤهل تخصصي على صاحب الرخصة نفسه.
ثالثًا: توسيع مسارات التعليم المهني والتطبيقي ، عبر شراكات حقيقية بين المؤسسات التعليمية والشركات، وبرامج تدريب تنتهي بمؤهلات معترف بها، مع إتاحة مسارات واضحة للانتقال والتطور المهني، وتعزيز مكانة العمل الفني باعتباره خيارًا اقتصاديًا منتجًا ومحترمًا.
رابعًا: قياس النتائج بدلًا من الاكتفاء بالإجراءات ، فلا يكفي أن نعرف عدد البرامج التعليمية أو الرخص الصادرة؛ بل يجب أن نقيس معدلات توظيف الخريجين، واستمراريتهم في العمل، ومستوى أجورهم، وإنتاجيتهم، ومدى رضا أصحاب العمل عن مهاراتهم.
الإصلاح الحقيقي يبدأ من تكامل القرارات
إن أخطر ما يمكن أن نفعله هو معالجة كل مشكلة بقرار منفصل: نوسع القبول الجامعي لمعالجة الطلب على التعليم، ثم نطلق برامج تدريب لمعالجة البطالة، ثم نفرض شروطًا جديدة على المنشآت لمعالجة ضعف الكفاءة، دون أن نضمن أن هذه القرارات تعمل ضمن منظومة واحدة.
الإصلاح الاقتصادي لا يقوم على كثرة القرارات، بل على تكاملها، ولا يُقاس بعدد التشريعات التي نصدرها، بل بقدرتها على تغيير النتائج على أرض الواقع.
وفي الأردن، يمكن أن يشكل التكامل بين الجهات المسؤولة عن التعليم والعمل والترخيص والتنمية الاقتصادية أساسًا لسياسة وطنية واضحة، تحدد الأدوار والمسؤوليات، وتربط التخطيط التعليمي باحتياجات الاقتصاد، مع مراجعة دورية للنتائج وتعديل السياسات عند الحاجة.
كما أن نجاح هذه المنظومة يتطلب حوارًا حقيقيًا مع أصحاب العمل والنقابات المهنية ومؤسسات التدريب والخبراء، حتى تكون المتطلبات واقعية، والمعايير قابلة للقياس، والنتائج قابلة للتقييم.
من إدارة البطالة إلى إدارة الفرص
لا أعتقد أن الحل يكمن في مطالبة الشباب بتغيير تخصصاتهم فقط، ولا في مطالبة الحكومة بتوفير الوظائف وحدها، ولا في مطالبة القطاع الخاص بتحمل مزيد من الالتزامات دون معالجة التحديات التي تواجهه.
الحل يبدأ عندما نتوقف عن التعامل مع التعليم والتشغيل والاستثمار باعتبارها ملفات منفصلة، ونبدأ بإدارتها باعتبارها أجزاء من منظومة اقتصادية واحدة.
فالشهادة التي لا تجد مسارًا واضحًا نحو الإنتاج، والمنشأة التي لا تجد الكفاءة التي تحتاجها، والشاب الذي لا يجد فرصة عادلة لتحويل مهارته إلى دخل، كلها مؤشرات على خلل يستحق المعالجة من جذوره.
إن ربط رخص المهن بمخرجات التعليم كان بالنسبة إليّ نقطة بداية لسؤال أكبر: كيف نبني اقتصادًا يعرف ماذا يحتاج، ويُعدّ الكفاءات المناسبة، ويمنحها الفرصة للعمل والإنتاج والتطور؟
فالمطلوب ليس فقط أن نُخرّج متعلمين أكثر، أو أن نُصدر رخصًا أكثر، أو أن نعلن عن برامج تشغيل جديدة؛ بل أن نبني منظومة تجعل المعرفة ذات قيمة اقتصادية، وتجعل الاستثمار قادرًا على خلق فرص مستدامة، وتجعل الكفاءة معيارًا حقيقيًا للتقدم.
فالتحدي ليس أن نُعلّم الشباب كيف يبحثون عن وظيفة فحسب، بل أن نبني اقتصادًا يعرف كيف يستثمر في علمهم ومهاراتهم، ويحوّلها إلى إنتاج وقيمة مضافة وفرص حقيقية.