بقلم: عمر الدريني
يوم المدير العالمي 16 تشرين الأول حين يتعب قائد المدرسة، من يسمع جرس الإنذار؟ لا يظهر التعب المهني دائمًا في ملامح الوجه، فقد يبدأ مدير المدرسة يومه بابتسامة، ويستقبل الطلبة والمعلمين، ويتابع ما يلزم من أعمال، ويتدخل لحل خلاف، ثم يغادر في نهاية الدوام دون أن يعرف أحد حجم القرارات التي اتخذها أو المشكلات التي حاول احتواءها، وقد يبدو كل شيء طبيعيًا، بينما تتراكم المسؤوليات في الخلفية دون أن تجد وقتًا كافيًا للمعالجة.
في يوم المدير، يستحق الجانب الإنساني من القيادة اهتمامًا يتجاوز عبارات الشكر، فالسؤال ليس إن كان المدير قادرًا على تحمل المسؤولية اليوم، بل إن كانت بيئة العمل تساعده على الاستمرار في أدائها بكفاءة على المدى الطويل. العمل المدرسي متداخل بطبيعته، فالمشكلة الواحدة قد تتطلب الاستماع إلى أطراف متعددة، والتحقق من الوقائع، ومراجعة التعليمات، واتخاذ قرار، ثم متابعة نتائجه، والمدير مطالب بأن يحافظ على هدوئه وعدالته في مواقف قد تكون مشحونة، وأن يوازن بين متطلبات العمل وحقوق الأشخاص.
لكن كثافة العمل قد تتحول إلى مشكلة عندما تتكرر المهام دون تنسيق، أو تتضارب الأولويات، أو يصبح كل تفصيل مرتبطًا بمكتب المدير، أو يشعر القائد بأن طلب المساعدة سيُفسر على أنه ضعف، عندها قد يضيق الوقت المتاح للتخطيط والتطوير، وتتحول الإدارة تدريجيًا إلى استجابة متواصلة للأمور العاجلة.
ولا ينبغي أن نعمم هذه الصورة على جميع المديرين، أو أن نفترض أن كل ضغط يؤدي إلى مشكلة صحية، لكن من الحكمة أن تتعامل المؤسسات مع تنظيم العمل بوصفه عاملًا أساسيًا في استدامة الأداء، فالمؤسسة التي تريد نتائج جيدة لا تستطيع تجاهل حجم المهام، أو ترك توزيع المسؤوليات للظروف وحدها، يمكن البدء بإجراءات واضحة: مراجعة الأعمال المطلوبة من المدير، وتحديد الأولويات، وتوزيع المهام على فرق المدرسة، وتقليل تكرار طلب البيانات، وتنظيم الاجتماعات، وتوفير قنوات للاستشارة المهنية، كما ينبغي تدريب المديرين على إدارة النزاعات، والتواصل، والتفويض، واتخاذ القرارات في المواقف المعقدة.
وتتحمل الجهات المشرفة مسؤولية مهمة في هذا المجال، فالتكليفات المتزامنة تحتاج إلى تنسيق، والمهام الجديدة تحتاج إلى وقت للتنفيذ، والمشكلات التي تتجاوز صلاحيات المدرسة تحتاج إلى مسار واضح للدعم، كما ينبغي أن تكون هناك مساحة مهنية يستطيع المدير من خلالها عرض الصعوبات دون أن تتحول المصارحة تلقائيًا إلى حكم على كفاءته.
وفي المقابل، يستطيع المدير نفسه أن يراجع طريقة تنظيم العمل، وأن يميز بين ما يحتاج إلى تدخله المباشر وما يمكن تفويضه، وأن يحدد وقتًا للتخطيط، وأن يطلب الدعم في الوقت المناسب، فالقيادة لا تعني أن يقوم شخص واحد بكل شيء، بل أن يضمن أن العمل يُنجز بطريقة صحيحة من خلال فريق واضح الأدوار. والأهم أن حماية المدير من الاستنزاف ليست قضية منفصلة عن جودة التعليم، فالمدير الذي يجد وقتًا للاستماع إلى المعلمين ومتابعة الطلبة والتفكير في التطوير يكون أقدر على قيادة المدرسة من مدير تستهلك المهام المتكررة معظم يومه.
في هذه المناسبة، ينبغي ألا نحتفي بقدرة المدير على تحمل كل شيء إلى ما لا نهاية، فالتفاني قيمة مهنية، لكنه لا يلغي الحاجة إلى التنظيم والدعم والتوازن. إذا كان جرس المدرسة يعلن بداية الدوام ونهايته، فمن يسمع جرس الإنذار حين تتراكم المسؤوليات فوق قدرة الإنسان؟ إن المؤسسة التي تريد قائدًا ناجحًا لا تختبر حدود احتماله كل يوم، بل تبني بيئة تساعده على أن يظل قادرًا على القيادة.
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |