بقلم الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم
حين أعلنت الصين تشكيل تحالف علمي يجمع ثماني مؤسسات بحثية ونحو ألف عالم وباحث، بقيادة عالم الرياضيات شينغ تونغ ياو، لتطوير نماذج ذكاء اصطناعي قادرة على استكشاف علاقات رياضية جديدة والمساعدة في إثباتها، فإنها لم تكن تعلن عن مشروع تقني فحسب، بل عن توجه علمي يعيد النظر في كيفية إنتاج المعرفة وتحويلها إلى قوة اقتصادية وحضارية.
فالرهان الحقيقي لم يعد على امتلاك التكنولوجيا وحدها، وإنما على القدرة على توظيفها لفهم الظواهر واكتشاف قوانينها وتعظيم القيمة الناتجة عنها. ولعل ما يستحق التأمل أن هذه الفلسفة ليست غريبة عن تاريخنا العلمي. ففي القرن الحادي عشر الميلادي، قدم العالم المسلم الحسن بن الهيثم تجربة علمية سبقت عصرها، عندما رفض التسليم بالتفسيرات السائدة لظاهرة الإبصار، وطرح سؤالًا بسيطًا في ظاهره وعميقًا في مضمونه: كيف نرى الأشياء؟ كانت بعض التصورات القديمة تفترض أن العين تصدر أشعة نحو الأجسام، لكن ابن الهيثم أخضع الظاهرة للملاحظة والتجريب والتحليل الهندسي، واستنتج أن الضوء القادم من الأجسام هو الذي يدخل العين. وفي كتابه «المناظر»، جمع بين الرياضيات والتجربة والتحقق، وأسهم في تأسيس فهم علمي جديد للضوء والرؤية، امتد أثره إلى تطور علم البصريات في القرون اللاحقة.
لم تكن قيمة إنجازه في تصحيح تفسير علمي فحسب، بل في المنهج الذي اتبعه: الشك المنظم، وصياغة الفرضيات، واختبارها، ومراجعة النتائج. فقد أدرك أن الملاحظة تكشف الظاهرة، لكن التجربة والبرهان يحددان مدى صحة تفسيرها. وهذا هو الجوهر الذي تعود إليه العلوم الحديثة اليوم، وإن اختلفت الأدوات وتضاعفت القدرات الحاسوبية. واللافت أن التجربة الصينية المعاصرة تستعيد هذا المنطق بأدوات الذكاء الاصطناعي. فبدل الاكتفاء باستخدام الخوارزميات لحل مسائل معروفة، تسعى إلى تطوير أنظمة تقترح فرضيات رياضية جديدة، وتساعد في بناء براهين قابلة للتحقق.
وهنا يصبح الذكاء الاصطناعي شريكًا في الاستكشاف، بينما يظل التحقق العلمي شرطًا لقبول النتائج. فالإجابة المقنعة لا تعني بالضرورة أنها صحيحة، والسرعة في الوصول إليها لا تعوض سلامة المنهج. ومن هذه المقارنة التاريخية تبرز رسالة مهمة للدول النامية، ومنها ال أردن: لسنا مطالبين بمنافسة الدول الكبرى في حجم الإنفاق أو أعداد العلماء، بل ببناء نموذج وطني يحسن توظيف ما نمتلكه من عقول وموارد، ويوجه البحث العلمي نحو فهم المشكلات التي تؤثر في حياة الناس وإنتاجية الاقتصاد.
ففي قطاع المياه، لا يكفي رصد ارتفاع الفاقد، بل ينبغي فهم أسبابه وتحليل أنماطه وبناء نماذج تتنبأ بمواقع التسرب والأعطال. وفي الصناعة، يمكن للرياضيات والذكاء الاصطناعي تفسير أسباب الهدر وتطوير حلول تقلل استهلاك الطاقة وتحسن الجودة. وفي الزراعة، يمكن دراسة العلاقة بين المناخ والتربة والري والإنتاج للوصول إلى قرارات تحقق إنتاجية أعلى بموارد أقل. وهكذا تتدرج القيمة من فهم الظاهرة إلى تفسيرها، ثم التنبؤ بسلوكها، وصولًا إلى تطوير حلول قابلة للتطبيق والقياس. أما التعليم، فهو نقطة الانطلاق لهذا التحول. فالمطلوب إعادة الاعتبار للرياضيات والعلوم الأساسية بوصفها أدوات لفهم العالم، وتطوير التعليم التقني والتطبيقي ليصبح مجالًا للتجريب وحل المشكلات والإنتاج. وينبغي أن يتعلم الطالب كيف يصوغ السؤال، ويختبر الفرضية، ويتحقق من النتيجة، ويقيس أثر الحل، بدل الاكتفاء بحفظ المعرفة أو استخدام أدوات جاهزة.
ويتطلب ذلك شراكات بحثية تجمع الجامعات والمراكز العلمية والقطاعات الإنتاجية، وتوفر بيانات موثوقة ومختبرات مشتركة، مع اعتماد مؤشرات تقيس جودة الاكتشاف وأثره الاقتصادي والاجتماعي، لا عدد المنشورات وحده. إن ما يجمع ابن الهيثم بالتوجه الصيني، رغم اختلاف العصور والأدوات، هو الإيمان بأن المعرفة الحقيقية تبدأ بالسؤال، وتتقدم بالاختبار، وتكتسب قيمتها حين تسهم في تحسين فهم الإنسان للعالم. ولعل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس كم نمتلك من أدوات الذكاء الاصطناعي، أو كم بحثًا ننشر، بل كم ظاهرة فهمنا، وكم مشكلة حللنا، وكم قيمة أضفنا إلى حياة الناس. لقد علّمنا ابن الهيثم كيف نبحث عن الحقيقة، وتذكرنا الصين اليوم بأهمية تنظيم العقول والموارد للبحث عنها. وما نحتاجه هو أن نحول هذا الإرث العلمي إلى مشروع وطني يجعل من المعرفة إنتاجًا، ومن الابتكار منفعة، ومن الإنسان غاية التنمية وأساسها.
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |