شكوك إستخباريّة في حادثة طائرة فلاي دبي


رم - د . راشد الشاشاني

بين مبالغة أصحاب نظريّة " التآمر على الأمّة " الذين سارعوا لتوصيف حادثة طائرة فلاي دبي بأنّها : عمليّة مدبّرة من نتنياهو ؛ كمطلبٍ يُخرجه من أزمة انتخابيّة ، وبين تسطيح إعلاميٍّ ورسميٍّ للحادثة ، على أنّها : شجار " قد يحمل بواعث إرهابيّة " لا يمكنها عقليّتنا العسكريّة إخفاء عدم استغرابها ، باعتبار أنّ ألاعيب أجهزة الاستخبارات المتقدّمة _على رأسها الموساد _ تضع عمق متاهة الجمهور ؛ واحداً من أهمّ عناصر نجاح العمليّة ، أو بالأقلّ نجاح إخفاء فشلها ، وهي بالطبع لن تجد سذاجةً أكثر مما هو متوافر لتحقيق أغراض كهذه .

بدايةً ؛ ليس هناك شكّ في أنّ أقصى أمنيات نتنياهو ؛ حدوث سقطة من ايران أو أعوانها ؛ تتيح له بثّ مزيدٍ من التحفيز نحو الجانب الأمريكي لتأييد ضربة إيران ، وليس هناك شكّ أيضاً : في أن ترمب يسعى " بالدعاء " إلى مثل ذلك ، ويسعى " بالمقالب " إلى استعمال تمرّد نتنياهو واندفاعه في اتجاه " تفتيت الصخر أو الحصى تحت أقدام إيران " ، لكنّ كلّا منهما لا يستطيع تحمّل مسؤوليّة كانت ستنجم عن تمام هذه الحادثة لو تمّت فعلاً ؛ الأهمّ من ذلك : أنّ فكرة السُذّج حول مؤسّسات دول كالتي يقودها ترمب و نتنياهو ؛ تحمل ذات السمات عن غيرها ، حيث يعتقد هؤلاء : أنّ بوسعِ ترمب ونتنياهو تحريك أجهزة بحجم الموساد والسي أي إيه بطريقة " كيد المطلّقات التي تتبعها أجهزة دول أخرى " .

بعيداً عن ذلك ، تعتقد عسكريّتنا : أنّ في الأمر احتمالات يمكن تطويقها ببعض الصور ، التي قد تكون أوّلها : تدبيراً استخباراتيّاً من قبل الموساد ، لكنّ بطريقة " الخرق العناصري " الذي يعني : تسلّلاً خلف أدوات المؤسّسة الرسميّة ؛ من قبل من لهم مصلحة في ضرب نتنياهو و إحراجه ، المعارضة طبعاً ، لكنّها لا تستطيع أيضا بمفردها تحمّل هذه المسؤولية ، إنّها تحتاج بعداً أمريكيّا لا زال يحملها فوق أكتاف تيّار أوباما ، هذا يقتضي بالضرورة عونا استخباراتيّاً أمريكيّا بذات الطريقة " الخرق العناصري " يهدف إلى ضرب ترمب معه . قد يكون الهدف النهائي من العملية ؛ بحسب المخطّطين _ فيما لو تمّت _ توريط ترمب بضربة عسكريّة يوجّهها إلى إيران ، في لحظة انعدام الجهوزيّة ؛ لا لضربها ولا لدفع ردودها ، بالطبع هذا يعني إسقاط نتنياهو حكماً .

لا يبتعد هذا السيناريو عن ذات الهدف ؛ حين يضع مشهداً آخر في عمليّة إخراج الخطّة ، حين تَمَثّل بحصول إرباكٍ ما _ لا يهمّ فوق أجواء من _ يحتّم التحاماً عسكريّاً في أجواء أكثر من دولة تشارك فيه اسرائيل بالطبع ، وهنا تنتقل المشكلة إلى بعد الجوار ؛ الذي لا زالت اسرائيل تسعى إلى التهدئة معه حتى اللحظة ، وهنا تنهار حسابات ترمب في " تفتيت الصخر " .

أمّا عن قصّة الشجار بين قائد الطائرة ومساعده : فهي تشير " في محيط الشكوك " إلى احتمال وجود اتفاق مسبق بينهما على أمر ما ؛ حصل الخلاف بناءً على أولويّات التنفيذ ، أو طريقة حصد الغنائم ومقدارها ، هناك احتمالٌ يرجح على هذا ؛ يقضي : بأنّ تدبير العمليّة ؛ كان بمعرفة أحدهما ، او بمعرفتها دون أن يعلم أحدهما بعلم الآخر بالعمليّة ، وقد حصل الخلاف بفعل خطأ ما في التنسيق ، هذا كلّه لا ينفي أن تتمّ العمليه بطريقة " تتابع الحلقات وتدحرج الدومينو" التي تعني : فهم كل فرد من أفراد العمليّة بأنّه يعمل لصالح جهة ما " غير حقيقيّة " .

هذه الصورة ؛ لا تخفي مشهداً محتوماً في السيناريو الذي لم يعتمد أبدأ على أحدهما أو كليهما ، لدينا " طاقم التدخّل " الذي قيل أنّه من ركّاب الطائرة ، والذي استطاع " ببراعة المُدَرَّب " على ذات العمليّة بذات اللحظة إنهاء الأزمة ، التي يظهر جليّاً ؛ أنّها كانت تسير في خطّ اتجاهٍ ما ؛ فاجَأ في تَبَدّلِه هذا الطاقم ، فقدّم ما يمكن تقديمه في لحظةٍ غير متوقّعة .

أخيراً ؛ كل هذا ، وما يتعلّق به ؛ لن تقوله بيانات الصندوقين الأسودين ؛ فهي لا تعرفه ، ولن تُغيّر في بِنائِهِ نتائجها ؛ بغضّ النظر عمّا تنتهي إليه ، لكنّ الأمر الذي يبدو مثيراً هو : هل نجحت الخطّة وهي تصوغ فوضى الخوف والقلق والسرعة الطارئة في إحداث خرق استخباري محدّد ضمن سياق مشاهد السيناريو ؛ بزرع أو تأسيس نقطة استخباريّة محدّدة في مكان ما ، أو الإستطلاع حول شأن كهذا ؛ تفحص به ردّة فعلِ أحدهم ، أو قدرته على استيعاب حادث مماثل ؟!



عدد المشاهدات : (4181)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :