فرص العمل تزداد .. فلماذا تبقى البطالة مرتفعة؟


رم -

بقلم: الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم

 

تبدو المعادلة للوهلة الأولى محيرة: فرص العمل تزداد، والمشروعات تتوسع، والقطاع الخاص يوظف، وبرامج التدريب والتشغيل تتوالى، ومع ذلك تبقى البطالة مرتفعة، ولا يشعر المجتمع بأن الزيادة في فرص العمل انعكست بالسرعة المتوقعة على أعداد الباحثين عن العمل. فأين تكمن المشكلة؟ الأرقام الأردنية تكشف جانبًا مهمًا من الإجابة.

فقد سجل عام 2025 صافي 87,617 فرصة عمل مستحدثة للأردنيين، وهي أعلى حصيلة مسجلة، واستحوذ القطاع الخاص على 73.1% منها. ومع ذلك، بلغ معدل البطالة بين الأردنيين 21% في الربع الثاني من عام 2026، مقارنة بـ21.3% في الفترة نفسها من العام السابق. وهذا يعني أن سوق العمل يتحرك، لكن أثر هذا التحرك في البطالة ما يزال أبطأ مما نطمح إليه.

 

السبب الأول أن سوق العمل ليس خزانًا ثابتًا نملؤه بالوظائف حتى تنتهي البطالة. ففي كل عام يدخل إليه شباب جدد، بينما يفقد آخرون وظائفهم أو يعودون للبحث عن عمل. لذلك قد يخلق الاقتصاد عشرات الآلاف من الوظائف، لكن أعداد الداخلين والباحثين عن العمل تتحرك هي الأخرى. أما المشكلة الأعمق فهي الفجوة بين ما نُعلّمه وما يحتاجه السوق.

 

فقد تجد شركة تبحث عن فني أو مبرمج أو متخصص في تحليل البيانات أو الأمن السيبراني أو السياحة أو التصنيع، وفي المدينة نفسها تجد شبابًا عاطلين يحملون مؤهلات دراسية. الوظيفة موجودة، والباحث عن العمل موجود، لكن المهارة المطلوبة لا تلتقي دائمًا مع المهارة المتوافرة.

وهنا علينا أن نراجع مفهومنا للبطالة. فجزء منها ليس بطالة وظائف بقدر ما هو بطالة مهارات، وجزء آخر يرتبط بنوعية الوظائف والأجور والاستقرار الوظيفي ومكان العمل والتوقعات الاجتماعية. كما أن الوظيفة التي تستمر ثلاثة أشهر لا تعادل وظيفة تبني مسارًا مهنيًا لسنوات.

ولهذا لا يكفي أن نسأل: كم فرصة عمل استحدثنا؟ بل علينا أن نسأل: كم منها استمر؟ وكم شغلها عاطلون أصلًا؟ وما مستوى أجورها وإنتاجيتها؟ ولعل في تاريخنا ما يستحق أن نقرأه بعين الحاضر. فقد عرفت المدن الإسلامية أسواق الحرف والصناعات، وارتبط التعلم في كثير من المهن بالممارسة المباشرة على يد أصحاب الخبرة.

 

وفي التجربة العثمانية أدت طوائف الحرفيين والأسواق والورش أدوارًا مهمة في تنظيم المهن والإنتاج ونقل الخبرة المهنية. كما أسهم الوقف في تمويل التعليم والمنشآت والأسواق والخدمات. لم يكن المقصود أن يتعلم الإنسان ثم ينتظر سنوات حتى يجد أين يستخدم علمه، بل كانت الصلة بين التعلم والحرفة والسوق أكثر مباشرة.

واليوم لا نحتاج إلى استنساخ الماضي، وإنما إلى استعادة منطقه العملي. لماذا لا يدخل المصنع والشركة والفندق والمستشفى والمؤسسة التقنية إلى الخطة الدراسية منذ تصميمها؟ ولماذا ننتظر تخرج الطالب حتى نسأل القطاع الخاص عن المهارات التي يحتاجها؟

وهنا تبرز أهمية التعليم التقني والتطبيقي، شريطة ألا يتحول هو الآخر إلى تعليم نظري باسم جديد. الطالب يحتاج إلى ساعات حقيقية في المختبر والمشغل وموقع العمل، وإلى مشروعات يحل من خلالها مشكلات حقيقية، وإلى مهارات رقمية ولغوية واتصالية وريادية إلى جانب تخصصه. والأهم أن يشارك صاحب العمل في تصميم البرنامج وتدريب الطالب وتقييم كفاياته. كما نحتاج إلى تغيير ثقافي.

 

لا يمكن أن نحارب البطالة بينما ننظر إلى بعض المهن التقنية باعتبارها أقل مكانة من الوظيفة المكتبية. الدول الصناعية لم تبن اقتصادها بالشهادات وحدها، بل بالفني الماهر والتقني والمبرمج والمصمم والطاهي المحترف وتقني الصيانة ومشغل الأنظمة، إلى جانب الطبيب والمهندس والأكاديمي. أما ريادة الأعمال، فلا ينبغي تقديمها بوصفها وصفة جاهزة لكل عاطل عن العمل.

 

المشروع يحتاج إلى فكرة قابلة للحياة ومهارة وتمويل وسوق وإرشاد ومتابعة. المطلوب أن نجعل إنشاء المشروع المنتج خيارًا حقيقيًا لمن يستطيع، لا شعارًا نضعه في نهاية كل برنامج تدريبي. والخطوة الأهم هي إنشاء منظومة وطنية حية لمعلومات سوق العمل تربط بيانات التشغيل بالتعليم.

 

نحتاج أن نعرف بصورة مستمرة أين تنشأ الوظائف، وما المهارات المطلوبة، وما الأجور، وأي التخصصات تتوسع وأيها تتشبع. وعلى الجامعات والكليات أن تقيس نجاح برامجها أيضًا بما يحدث لخريجيها بعد التخرج: هل عملوا؟ وفي أي مجال؟ وكم استغرق انتقالهم إلى العمل؟ وهل استمروا فيه؟ إن ارتفاع عدد فرص العمل مؤشر إيجابي، لكنه وحده لا يكفي. النجاح الحقيقي يبدأ عندما تتحول فرصة العمل إلى إنسان منتج، ويتحول التعليم إلى مهارة مطلوبة، وتصبح العلاقة بين المدرسة والجامعة والكلية والمصنع والشركة والسوق علاقة واحدة متصلة. عندها لن يكون السؤال الذي يشغلنا: كم وظيفة استحدثنا؟ بل السؤال الأكثر دقة وأهمية: كم شابًا وشابة نقلنا من انتظار الوظيفة إلى امتلاك المهارة والقدرة على العمل والإنتاج وصناعة الفرصة؟




عدد المشاهدات : (701)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :