رم - د. حسين سالم الجبور
الشباب ليسوا مجرد فئة عمرية عادية ، بل هم القوة المحركة للمجتمع والركيزة الأساسية لمستقبله. ففي مرحلة الشباب تتشكل الطموحات والأفكار، وتبنى المهارات التي ترسم إلى حد كبير المسار العلمي والمهني للإنسان.
ومن هنا، فإن الحديث عن الشباب الأردني هو حديث عن مستقبل الأردن؛ فكل استثمار في تعليمهم وتأهيلهم وتمكينهم هو استثمار في التنمية والاقتصاد والاستقرار الاجتماعي.
ويواجه الشباب الأردني اليوم تحديات حقيقية، في مقدمتها البطالة ومحدودية فرص العمل، إلى جانب الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل. ولذلك لم يعد اختيار التخصص الجامعي قرارا أكاديميا فقط، بل أصبح قرارا يرتبط بمستقبل الشاب وفرصه في العمل والإنتاج.
ففي الوقت الذي تشهد فيه بعض التخصصات أعدادا كبيرة من الخريجين، يتزايد الطلب على تخصصات ومهارات جديدة فرضتها التحولات التكنولوجية والاقتصادية، مثل الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، والبرمجة والتقنيات الرقمية، إلى جانب التخصصات التقنية والمهنية.
وهذا يتطلب تطوير منظومة التعليم، والانتقال من التركيز على الحصول على الشهادة إلى بناء المعرفة والمهارة والقدرة على التفكير وحل المشكلات والتكيف مع سوق عمل سريع التغير.
وتبرز تجربة جامعة الحسين التقنية، التي جاءت بمبادرة من صاحب السمو الملكي الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، كنموذج يركز على التعليم التقني والتطبيقي وربط التعليم باحتياجات سوق العمل، بما يعزز أهمية هذا المسار أمام الشباب.
ومن التحديات التي تواجه المجتمع استمرار تفضيل الوظيفة الحكومية لدى شريحة من الشباب باعتبارها الخيار الأكثر استقرارا وأمانا. ومع محدودية فرص التعيين الحكومي، يصبح من الضروري توسيع مفهوم العمل ليشمل القطاع الخاص وريادة الأعمال والعمل الحر والمهن التقنية والعمل الرقمي.
وهذا لا يعني التقليل من قيمة الوظيفة العامة، وإنما الحاجة إلى ثقافة جديدة تنظر إلى العمل من زاوية الإنتاج والكفاءة والقيمة التي يقدمها الإنسان، وليس فقط من خلال طبيعة الوظيفة أو الجهة التي يعمل لديها.
الشباب الأردني لا يبحث عن المستحيل؛ إنه يريد تعليما يواكب العصر، وتدريبا يمنحه الخبرة، وفرصة عمل كريمة، وأجرا عادلا، وبيئة اقتصادية تساعده على الإنتاج والإبداع.
لذلك، فإن تمكين الشباب لا ينبغي أن يقتصر على البرامج والندوات، بل يجب أن يتحول إلى سياسات عملية تربط التعليم بالتدريب والتشغيل، وتدعم ريادة الأعمال، وتمنح الشباب مساحة حقيقية للمشاركة وصناعة المستقبل.
إن قضية التخصصات الجامعية ليست مسؤولية الطالب وحده، كما أن البطالة ليست مسؤولية جهة واحدة، بل هي مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والجامعة والحكومة والقطاع الخاص والمجتمع.
والرهان الحقيقي للأردن ليس في عدد الخريجين، وإنما في نوعية الإنسان الذي نعده للمستقبل، وقدرته على تحويل المعرفة إلى مهارة، والمهارة إلى إنتاج، والطموح إلى فرصة.
فالشباب الأردني يمتلك الطموح والطاقة، وما يحتاجه هو منظومة تمنحه الأدوات والفرصة والمساحة ليصنع مستقبله ومستقبل وطنه.