أ.د. علي حياصات
قرأت بمحبة مقال الصديق الدكتور ذوقان عبيدات «موسم الهجرة إلى السلط». رأى السلط بعين المحب: حجرها الأصفر، بيوتها المتعانقة، جامعها وكنيستها، شرفاتها وأزقتها، وذلك التنوع البشري الذي جعله يصفها، بذكاء، بأنها أشبه بـ«هيئة أمم».
وأنا، كابن للسلط وُلد وعاش وما زال يعيش فيها، لا أختلف كثيرًا مع ما رأى، لكن مقاله دفعني إلى التفكير في سلط أخرى لا تظهر كاملة في الحجر والصورة، سلط الإنسان والمجتمع، وسؤال المكانة والنفوذ: من كان يصنعهما؟ وكيف تغيرا؟
فالسلط لم تكن «هيئة أمم» لأن الشامي والنابلسي والفلسطيني وغيرهم جاؤوا إليها فقط، ولا لأن المسلم والمسيحي عاشا فيها جنبًا إلى جنب، بل لأنها امتلكت قدرة اجتماعية لافتة على استيعاب القادم إليها دون أن تلغي أصله، وعلى صناعة هوية مشتركة من الاختلاف.
وكان لهذا المجتمع، مثل غيره من المجتمعات المحلية، رجاله ووجوهه وتوازناته ومصالحه وخلافاته. لم تكن السلط القديمة مدينة فاضلة، ولم يكن أهلها ملائكة يمشون في الأسواق، لكن المجتمع كان يمتلك مساحة واسعة لصناعة مكانة أفراده وقياداته من داخله.
وهنا يراودني سؤال ربما يتجاوز مقال الصديق ذوقان: من كان يصنع وجيه السلط قديمًا، السلط أم المركز؟ ومن يصنعه اليوم؟
في الماضي، كانت المكانة تُبنى إلى حد كبير داخل المجتمع نفسه: بما يقدمه الإنسان، وبحكمته، وتاريخه، وحضوره بين الناس، وقدرته على حل مشكلاتهم وحماية مصالحهم. بالطبع كان هناك نفوذ ومصالح وتنافس، فهذه طبيعة المجتمعات، لكن مصدر المكانة كان محليًا بدرجة أكبر. ثم تغيرت المعادلة تدريجيًا.
مع قيام الدولة الحديثة، وما سبقها ورافقها من تحولات سياسية منذ أواخر العهد العثماني والانتداب البريطاني، ثم اتساع سلطة الدولة ومؤسساتها، أخذ المركز مساحة أكبر في حياة المدينة. ولم يعد النفوذ يُصنع داخل السلط وحدها، أصبح القرب من مركز القرار، في مراحل مختلفة، أحد مصادر المكانة والفرص والنفوذ.
وهنا لا أنتقد وجود الدولة ولا مؤسساتها، ولا أدعو إلى حنين رومانسي لزمن مضى. فالقانون والإدارة والتعليم والدولة الحديثة حققت تحولات لا يمكن إنكارها. لكنني أتحدث عن أثر جانبي للمركزية: أن يفقد المجتمع تدريجيًا جزءًا من قدرته على إنتاج توازناته وقياداته من داخله، وأن تصبح العلاقة بالمركز أحيانًا أقصر طريق إلى المكانة من العلاقة بالمجتمع نفسه.
وربما كانت المفارقة أن حجر السلط قاوم الزمن أكثر من بعض علاقاتها القديمة!
ما زالت البيوت الصفراء واقفة، وما زالت الشرفات والأقواس والأزقة تروي الحكاية، لكن المجتمع الذي صنع ذلك المكان تغيّر كثيرًا. تغير الاقتصاد، والتعليم، والهجرة، وأنماط الحياة، وتغيرت معها مصادر النفوذ والمكانة.
وهنا يصبح الحفاظ على السلط أصعب من ترميم واجهة بيت قديم.
يمكننا تنظيف الحجر وإعادة بريقه، لكن من يرمم العلاقات حين تتشقق؟ ومن يعيد إلى المدينة قدرتها على إنتاج توازنها من داخلها؟ ومن يحفظ روح المكان إذا حافظنا على جدرانه وفقدنا شيئًا من روحه؟
لذلك يا صديقي ذوقان، ربما رأيتَ السلط التي نحب أن يراها الآخرون، أما أنا فأحاول أن أقرأ معك السلط التي لا تظهر كلها في الصورة، السلط التي تغيّر إنسانها بقدر ما بقي حجرها.
فالسلط جميلة، نعم، لكن أجمل ما فيها لم يكن يومًا حجرها وحده، بل المجتمع الذي أعطى ذلك الحجر معناه.
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |