دوسلدورف/أحمد سليمان العُمري بحسب النتائج النهائية المؤقّتة، بعد اكتمال فرز الأصوات في جميع الدوائر الانتخابية، أي إنه لا توجد أصوات بانتظار الفرز، فيما تبقى النتائج بانتظار اعتمادها رسميا من لجنة الانتخابات في الولاية، حقق حزب اليمين المتطرّف «البديل من أجل ألمانيا» (AfD) في انتخابات «ساكسونيا-أنهالت» 43.8 بالمئة من الأصوات، مقابل 17.2 بالمئة للاتحاد المسيحي الديمقراطي (CDU)، و9.3 بالمئة للحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD)، و8.9 بالمئة لحزب الخضر، و8.6 بالمئة لحزب اليسار، فيما دخل «تحالف سارة فاغنكنشت» (BSW) البرلمان بعد تجاوزه حاجز الخمسة بالمئة، وحصل على 5.3 بالمئة، بينما خرج الحزب الديمقراطي الحر (FDP) من البرلمان بحصوله على 2.6 بالمئة.
لقد شكّلت هذه النتيجة الانتخابية زلزالاً سياسياً، فالأحزاب التي كانت لعقود تتناوب على الحكم، وفي مقدمتها الاتحاد المسيحي والاشتراكي الديمقراطي، تجد نفسها اليوم أمام عزلة سياسية لم تعرفها من قبل. الأحزاب العملاقة في السياسة الألمانية، التي شكّلت معظم الحكومات والائتلافات خلال العقود الماضية، بينما كان حزب البديل يجلس في زاوية في البرلمان.
اليوم تبدلّت الأوضاع، فالحزب الذي كان على هامش السلطة أصبح القوة الأولى بفارق هائل عن أقرب منافسيه، والاتحاد المسيحي تلقى واحدة من أقسى ضرباته الانتخابية في تاريخه بالولاية. واللافت أن هذه النتيجة جاءت مع نسبة مشاركة مرتفعة بلغت 77.8 بالمئة، ما يجعل من الصعب اختزالها في احتجاج أو في عزوف الناخبين عن صناديق الإقتراع. الحزام الناري أمام الامتحان الحقيقي فوز البديل الكبير لا يعني أنه أصبح قادراً على الحكم غداً، لكنه يعني شيئاً آخر أكثر أهمية؛ أن الحزام الناري أصبح الآن أمام امتحان في مدى قدرته على تحقيق أهدافه في مواجهة حزب البديل، الذي بلغ هذه الذروة الانتخابية.
الأغلبية المطلقة تحتاج إلى 42 مقعداً، بينما حصل البديل على 39 مقعداً من أصل 83، ولذلك فإن الطريق إلى تشكيل حكومة بمفرده ما زال مُغلقا، كما أن معظم الأحزاب التقليدية لا تريد الدخول في ائتلاف معه، لكن هذا لا يلغي الحقيقة السياسية الأهم؛ أن 43.8 بالمئة من الناخبين اختاروا الحزب. وهنا يجب التمييز بين منع البديل من تشكيل حكومة ائتلافية معه، وبين عزله عن كل عمل برلماني، فالحزام الناري هو موقف سياسي من التعاون الحكومي والائتلافات مع الحزب، وليس تشريعا يمنع النواب من التصويت على كل مشروع أو اقتراح يقدمه.
المشكلة التي تواجه الأحزاب التقليدية أكبر من تشكيل حكومة في الولاية، فهي أمام حزب استطاع أن يتحول من قوة هامشية إلى القوة الأولى، رغم كل محاولات عزله سياسياً. وقد حاول المستشار «فريدريش ميرتس» منذ بداية عهده أن يسحب البساط من تحت أقدام البديل عبر تبني مواقف أكثر تشدداً في ملفّات الهجرة واللجوء وإعادة المهاجرين، وصولاً إلى الحديث عن عودة أعداد كبيرة من السوريين إلى بلادهم، إضافة إلى التشدّد في الإنفاق والحديث عن ضرورة تغيير سياسات الحكومة السابقة.
كانت الفكرة واضحة؛ إذا أخذ الاتحاد المسيحي جزءا من خطاب البديل، فقد يستعيد الناخب الذي اتجه إليه. لكن ما حدث خالف حسابات «ميرتس»؛ البديل لم يتراجع، بل حقق أفضل نتيجة له على الإطلاق، بينما مُني حزب ميرتس بأسوأ نتيجة له. لماذا يزداد اليمين قوة؟ هنا بيت القصيد... الناخب الألماني جرّب الأحزاب التقليدية والحكومات التي قادها الاشتراكيون والمسيحيون، والائتلافات بين الطرفين، وشاهد الحزب الديمقراطي الحر وحزب الخضر يدخلان الحكومات ويخرجان منها.
وعلى مدى سنوات طويلة كانت السلطة الحقيقية تدور بدرجات مختلفة حول الأحزاب الكبيرة، بينما كان البديل من ركنه الصغير كان يحترف النقد الدائم. ثم جاءت الأزمات، ارتفاع تكاليف المعيشة، مشكلات الطاقة، تراجع بعض القطاعات الصناعية، البيروقراطية، أزمة الهجرة واللجوء والقلق من مستقبل الاقتصاد الألماني، إضافة إلى استغلال البديل انتقادات الدعم العسكري الألماني لإسرائيل، رغم انقسام الحزب حول طبيعة العلاقة مع تل أبيب. كل ذلك صنع شعوراً لدى جزء من الناخبين بأن الأحزاب التقليدية لم تعد تملك إجابات مقنعة عن الأسئلة التي تشغلهم. ولهذا فإن جزءاً من التصويت للبديل قد لا يكون حباً خالصاً في الحزب بقدر ما هو عقاب للأحزاب التي حكمت ألمانيا طويلاً. هذا هو الدرس الذي يصعب على الأحزاب التقليدية تجاهله، فالديمقراطية لا تعني فقط أن تفوز الأحزاب التي نحبها، وإنما تعني أيضاً أن نتعامل مع نتيجة الصندوق عندما تأتي مخالفة لما نريد.
يبدو أن صعود البديل لم يعد شأناً ألمانياً بحتاً، فقد أصبح يحظى بدعم معلن من شخصيات سياسية واقتصادية ذات نفوذ عالمي. إيلون ماسك، الذي أعلن في السابق دعمه للبديل، عاد بعد انتخابات «ساكسونيا» ليهنئ الحزب على فوزه. أما دونالد ترامب فقد عبّر عن غبطته بالاكتفاء بنشر نتائج الإنتخابات عبر منصّته «تروث سوشيال». وقبل ذلك كان نائب الرئيس الأميركي «جي دي فانس» قد التقى زعيمة الحزب «أليس فايدل» في ميونيخ في فبراير 2025 ولم يلتقي «ميرتس»، في خطوة أثارت جدلاً واسعا في ألمانيا. لماذا يقف ماسك وترامب ودوائر من اليمين الأميركي خلف حزب ألماني يتبنى خطاباً متشدداً في الهجرة واللجوء، ويصطدم بالأحزاب التقليدية والمؤسسات السياسية التي حكمت ألمانيا لعقود؟ ربما لأن ما يجري في ألمانيا ليس حالة منفصلة عن التحولات التي يشهدها اليمين الشعبوي في عدد من الدول الغربية.
الهجرة، والعولمة، والسياسات الاقتصادية، والعداء للمؤسسات السياسية التقليدية، كلها ملفات أصبحت تجمع بين تيارات يمينية مختلفة على جانبي الأطلسي. لكن في النهاية لا يستطيع أي حزام ناري أن يلغي صندوق الاقتراع. يستطيع أن يمنع حزب البديل من دخول حكومة اليوم، وربما غداً أيضاً، لكنه لا يستطيع أن يمنع الناخب من إعطائه 43.8 بالمئة من الأصوات. إذا أرادت الأحزاب التقليدية وقف صعود البديل، فيجب عليها أن تسأل نفسها أولاً: لماذا تركنا الناخب يصل إلى هذه القناعة؟ لقد أصبحت الديمقرطية في ألمانيا ضحية الديموقراطية. [email protected]
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |