رم - كشفت دراسة حديثة عن مسار عصبي يربط الأنف بمناطق في الدماغ مسؤولة عن تنظيم المشاعر، في اكتشاف قد يساعد على تفسير قدرة التنفس البطيء عبر الأنف على تخفيف القلق.
وأظهرت تجارب أُجريت على الفئران أن سرعة تدفق الهواء عبر الأنف لم تكن مجرد عملية مرتبطة بالتنفس، بل أثرت بصورة مباشرة في نشاط دائرة عصبية تصل في نهاية المطاف إلى اللوزة الدماغية، وهي منطقة تؤدي دورًا مهمًا في الاستجابات المرتبطة بالخوف والقلق.
وتكتسب النتائج، وفقًا لـ"الأكاديمية للعلوم"، أهمية خاصة مع انتشار اضطرابات القلق على نطاق واسع عالميًّا؛ إذ تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أنها تؤثر في نحو 359 مليون شخص.
ورغم أن تمارين التنفس تُستخدم منذ فترة طويلة للمساعدة على الاسترخاء والسيطرة على التوتر، ظل السؤال قائمًا حول الطريقة التي يترجم بها الدماغ عملية التنفس إلى تغير في الحالة العاطفية.
من الأنف إلى الدماغ
ركز الباحثون على ملاحظة لافتة من دراسات سابقة، وهي أن التنفس الأنفي البطيء يبدو أكثر فاعلية في تهدئة القلق مقارنة بالتنفس البطيء عبر الفم.
ودفع ذلك العلماء إلى البحث عن دور محتمل للأنف نفسه، وليس فقط التغير في إيقاع التنفس.
وتحتوي تجاويف الأنف على خلايا عصبية حسية شمية لا تقتصر وظيفتها على اكتشاف الروائح، بل تستجيب أيضًا لحركة الهواء أثناء الشهيق.
ووجد الباحثون أن هذه الخلايا تمثل نقطة البداية لمسار عصبي ينقل معلومات مرتبطة بالتنفس إلى مناطق أعمق في الدماغ.
ويبدأ المسار بالخلايا العصبية الحسية الشمية، التي ترصد الشهيق عبر الأنف وتنقل الإشارة إلى الخلايا الميترالية في البصلة الشمية.
ومن هناك، تنتقل المعلومات إلى خلايا عصبية في القشرة المحيطة بالأنف، قبل أن تصل إلى خلايا في اللوزة القاعدية الجانبية الخلفية، وهي منطقة مرتبطة بتنظيم الاستجابات العاطفية.
سرعة التنفس تصنع فارقًا
ولمعرفة تأثير هذه الدائرة، استخدم العلماء مجموعة من التقنيات العصبية للتحكم في الإشارات الحسية وتدفق الهواء داخل أنوف ذكور الفئران.
وأظهرت النتائج أن تأثير التنفس في السلوك الشبيه بالقلق كان مرتبطًا بتردد الإشارات القادمة من الأنف، أي بعدد مرات دخول الهواء خلال فترة زمنية محددة.
وعندما كانت الإشارات منخفضة التردد، بما يحاكي نمطًا أبطأ للتنفس، ظهرت لدى الفئران سلوكيات أقل ارتباطًا بالقلق.
وفي المقابل، ارتبطت الإشارات الأعلى ترددًا بزيادة السلوكيات الشبيهة بالقلق، ما يشير إلى أن العلاقة قد تعمل في الاتجاهين؛ فالتنفس البطيء قد يهدئ نشاط الدائرة، بينما يمكن للتنفس الأسرع أن يدفعها في الاتجاه المعاكس.
يعرف العلماء منذ فترة أن الإيقاع التلقائي للتنفس ينشأ في جذع الدماغ، بينما يمكن للإنسان التدخل فيه بصورة واعية عبر إشارات تبدأ من القشرة الدماغية وتصل إلى المراكز المسؤولة عن التنفس.
لكن الدراسة الجديدة تقترح وجود طريق آخر يعمل من الاتجاه المعاكس، إذ قد تنقل حركة الهواء نفسها عبر الأنف معلومات حسية إلى الدماغ تؤثر بدورها في المناطق المرتبطة بالمشاعر.
ويعتقد الباحثون أن هذه الآلية قد تساعد على تفسير ملاحظات سابقة أظهرت أن إيقاع التنفس الأنفي قادر على مزامنة بعض أنماط النشاط الكهربائي في الدماغ لدى البشر والقوارض.