مصطلح ( العَرْط ) في اللهجة الأردنيّة الدارجة يعني المُبالغة في الكذب، و(الفشخرة) الزائفة، وتضخيم الذات أو الجماعة والادعاء بأفعال (سوبرمانيّة) أو قُدرات أو إظهار حيازاتٍ وأملاكٍ وهمية ، ثم تطوّر هذا المفهوم مع الزمن بعد أن نشأ نشأة وليدة بظهور المجتمع القبلي، والتجمعات البدويّة والريفيّة الذي كان أغلبُ صُورِه وأشكالِه اختلاق بعض القصص والحكايات الطريفة لأفراد وجماعات لغايات التسلية والإمتاع أحيانا، من خلال سرد وقائع عن الغزو والإغارة والسّطو والنهب والّسلب، علمًا أنّ هذه صورٌ سلبيّة مشوهة لا تشكل ذلك الواقع، وليست هي النموذج الأمثل لطبيعة المجتمعات القبليّة المتزنة، التي كان لها أكبر الأثر في التماسك المجتمعي، وتعزيز قيم النخوة والكرم والمروءة والوفاء والشجاعة والتعاون الجمعيّ في شتى مناحي الحياة، فهي صورٌ مشرقة، نحن بأمسّ الحاجة إليها الآن.
إن هذا النوع التعريطي السّاذج، قد يبدو مقبولا إلى درجة ما، وقد نجد له كثيرا من الأعذار في مجتمع ضيّق قضاياه هامشية وليست ذات أثر وطنيّ وقوميّ وإنسانيّ، لأنّ قليلا من غربلة هذه (التعريطات) النشاز كفيلةٌ بتمييز القمح من الحصى والزّوان والخُرمان ولعلّ في هذا انحسارا لزمن (الكذب مِلح الرِّجال)؟؟ لكن هذه الظاهرة سرعان ما انتشرت وتوسعت وتمددت واتسع الخرق على الراقع حتى أصبحت شعارا مجتمعيا في الحاضر، ومما زاد في طينة الظاهرة بلّة ظهور التقنيات الحديثة: غواية الصورة، ووسائل التواصل الاجتماعي، والمواقع الالكترونية ، وتشعبت دائرة العرط والتعريط والعريطين الافتراضيين، فنجمت عنها ظواهر ومظاهر غاية في السخف كالنفاق الاجتماعي، والتزلف، والتمسُّح، وتغليب المصلحة الذاتيّة على هموم الوطن والأمة، والعجيب أننا كلما ازددنا عوزا وفقرا وحاجة ازددنا عرطا ونفخا و(فشخرة) وحملنا عند كل مناسبة مبخرة.
لقد ابتكر (عرّاطونا) أشكالا وألوانا للعرط، لا تخطر على بالٍ، فصارت كعشب (الجاودار) الذي يمتلك لنبتة واحدة امتدادا شبكيّا يصل إلى مئات الكيلومترات، وتعددت مظاهره، وانتفخت أوداجه السياسيّة والاجتماعية والاقتصادية والدينية والأخلاقيّة لذبح الوطن.
نتعجب للحالة التي وصلنا إليها... مناظر ولقطات من هنا وهناك... رجال كبار يستجدون صورة مع مسؤول، أو ينبري أحدهم بإلقاء قصيدة نبطيّة مُختلة الوزن والقافية والإحساس، ويقذف بها وجوه المستمعين...مناسبات وطنية جعلها العريطون مناسباتٍ مُحنّطة باهتة، تستهل بالذكر الحكيم لكنها تنتهي( يا شوقي يلا أنا وإياك عالغور نزرع بساتين) وكأنّهم لم يشاهدوا نبيلة الحشوش، وهي تستغيث أدركوا الغور!!
عجبا لأمرنا ! نزداد جوعا وحرمانا وغلاء وبؤسا و(صواويين) أفراحنا الألفيّة تزداد اتساعا وبهرجة وزركشة، وتقول هل من مزيد! على أغنيات نشاز، هي أيضا تحثّ على العرط والعنف والتعصب القبلي الزائف من نوع( نقلع العين إن لدت تلانا، والموت الأحمر للي عادانا) وأصوات لمطربين هواة لا يميزون بين سلّم دارهم وسُلّمهم الموسيقي المكسور! أطنان من اللحوم لليلة، وديون على العريس لألف ليلة وليلة! كما نأكل على مائدة الميّت لحمًا طريّا لثلاثة أيّام سويا، والمتوفّى كان يتوق إليه حيّا!
ولم يكتف عرطُنا بالتبذير المادي، بل تعداه إلى العرط الاستعراضي، والتبذير الخطابيّ؛ بأن أسهم بتدريب طلبة العرط لرفد سوق العمل بالعمال المهرة في شتى التخصصات: فمنهم المتخصص في العطوات والجاهات والصلحات، والآخر مختص بالحوادث والكروكات، ومَن حسُن خطُّه لازمَ كتابة الصكوك والشيكات حتى إنهم ابتكروا مقاعد مخصصة لمن يتابع قضايا التأمين، وأقسام الشّرطة، وهذا حسنٌ حسنٌ وعملٌ طيّب، لو تخلّص من بعض مشاهد العرط والتحايل ، وأحيانا لو سلِم من (مصّة الأصبع)! لذا لا غرابة أن ينتقل العرط إلى المسؤول على شاشة التلفزيون، أو من خلال البودكاستات التي تضخم الضيوف كتضخم البروستات...
أحدهم قام بتعيين أفراد عائلته في مواقع مرموقة، وآخر قام بتشغيل المئات من أقاربه، وثالثهم يرى الوزارة دون المستوى، ورابعهم يسحب سرديّة الوطن من تحت إبطه ويقرأها في كل المناسبات يقرأها في حفلات حِنا الأعراس والمآتم والعقائق والطهور وإعلان نتائج الثانوية.
كما أن الإعلام الخاص ساعد على تكوين طبقة عريطة، غايته الأسمى في رفع مستوى المشاهدة إلى درجة أن الوطن صار وطنًا للعرط ومن أتقن فن العرط من خلال الصورة وشهادة التكريم والدرع النحاسي ، والمبادرات الفردية وحاضنات الأعمال ولا أعمال، والدورات التدريبية، ابتداء من تنظيف الساحاتن وزراعة الحرجيات في عيد الشجرة، ودهان أطاريف الشوارع مدفوعة الثمن دون إنجاز، لاشيء إلا العرط عرط المبادرات الوطنيّة، لقاءات الأحزاب بالجمهور...
صور النواب أمام البسطات ... وكذلك المهرجانات الثقافيّة والشعرية، وحتى مسابقات المدن الثقافيّة الوجوه هي الوجوه، والفعاليات يغلب عليها العرط لا الإنجاز، كلّ شيء من أجل التصاوير أو من أجل دفع الفواتير! وقس على ذلك مثلا، وزارة التربية والتعليم التي تتخبّط في مسارات الثانوية العامة عرطا بدعوى التطوير والتحديث ومواكبة الدول المتقدمة والأمر ذاته نشاهده في لقاءات رؤساء البلديات التلفزيونية، التي تُشعل الفضاء بهجة وسرورا، لكنّها لم تكنس شارعا أو تتطمّ حفرة فيه أو أن تلقي قبضا على كلب ضال. وكذا سائر الجهات، فالعنوان الأبرز الصّورة ولا شيء غير الصّورة، فهي الطريق الموصل إلى بلاد الله المعمورة، وكأنّهم لم يقرءوا قوله تعالى: "فأّما الزّبد فيذهب جُفاء، وأمّا ما ينفع الناس فيمكثُ في الأرض.."
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |