حين تتحول أداة الحماية إلى خطر يهدد المجتمع


رم -

بقلم: علاء علي محمد الحويزان

 

السلاح الناري بين أيدي الناس.. حين تتحول أداة الحماية إلى خطر يهدد المجتمع لم تعد ظاهرة انتشار الأسلحة النارية وحملها بصورة غير منضبطة مسألة فردية يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد مخالفة قانونية، بل أصبحت قضية تمس الأمن المجتمعي بصورة مباشرة، خصوصاً عندما تتحول الأسلحة من وسيلة مرخصة ومضبوطة إلى أدوات متاحة في متناول أشخاص قد يستخدمونها في لحظة غضب أو نزاع أو تهور.

 

فالواقع يؤكد أن وجود السلاح الناري في متناول اليد يمكن أن يحوّل الخلاف البسيط إلى جريمة قتل، والمشاجرة إلى شروع بالقتل، والانفعال العابر إلى مأساة لا يمكن التراجع عنها. وما كان يمكن أن ينتهي بكلمات غاضبة أو اشتباك بالأيدي قد ينتهي خلال ثوانٍ بطلقة نارية تغيّر حياة أسرة كاملة إلى الأبد.

السلاح لا يصنع الجريمة وحده.. لكنه يجعل نتائجها أكثر خطورة من الخطأ اختزال جرائم القتل والشروع بالقتل في انتشار الأسلحة النارية وحده، فالجريمة لها أسباب متعددة تتداخل فيها عوامل اجتماعية واقتصادية ونفسية وقانونية. لكن وجود السلاح في متناول الأشخاص، وخصوصاً غير المؤهلين لحيازته، يزيد بصورة كبيرة من خطورة الخلافات والمشاجرات ويجعل نتائجها أكثر دموية.

والأهم هنا أن الخطر لا يقتصر على أصحاب الأسبقيات والسجل الإجرامي. فهناك نسبة مهمة من مرتكبي الجرائم المرتكبة باستخدام الأسلحة النارية لا يكونون من أصحاب السوابق أصلاً، بل تكون الجريمة التي ارتكبوها بالسلاح هي القضية الأولى في حياتهم.

وهذه الحقيقة يجب أن تكون حاضرة عند وضع أي استراتيجية لمواجهة انتشار السلاح؛ لأن حصر المعالجة في الأشخاص المعروفين لدى الأجهزة الأمنية أو أصحاب الأسبقيات، رغم أهميته، لن يكون كافياً وحده لمنع الجرائم. فقد يكون الشخص قبل لحظة الجريمة مواطناً عادياً، لا توجد بحقه أية قضية أو سابقة، ثم يدخل في مشاجرة أو خلاف عائلي أو نزاع مالي أو لحظة غضب وانفعال، ويكون السلاح متاحاً في متناول يده، فتتحول لحظات التوتر إلى قتل أو شروع بالقتل، وتصبح تلك الجريمة هي أول صفحة في سجل جنائي لم يكن موجوداً من قبل.

وهنا تتجلى خطورة انتشار السلاح الناري؛ فالسلاح لا يحتاج إلى أن يحمله مجرم محترف حتى يصبح خطراً، بل يكفي أن يكون متاحاً في اللحظة الخطأ وللشخص الخطأ. ولهذا فإن الوقاية من جرائم السلاح لا ينبغي أن تبدأ بعد أن يصبح الإنسان صاحب سابقة، وإنما يجب أن تبدأ قبل ذلك بكثير، من خلال ضبط الأسلحة غير المشروعة والحد من انتشارها، وتشديد شروط حيازتها وترخيصها، والتعامل الحازم مع إساءة استخدامها.

 

المطلوب ليس منع السلاح المرخص.. بل ضبط السلاح المنفلت إن التشدد في مواجهة ظاهرة السلاح غير المنضبط لا يعني التضييق على المواطن الملتزم بالقانون أو المساس بحقه في امتلاك سلاح مرخص وفق الأطر القانونية، وإنما يعني وضع منظومة أكثر صرامة تمنع وصول السلاح إلى الأشخاص الذين يشكلون خطراً على أنفسهم أو على الآخرين.

 

ومن هنا تبرز الحاجة إلى مراجعة منظومة ترخيص الأسلحة النارية، والتأكد بصورة دورية من أهلية حائز السلاح، وتشديد إجراءات الترخيص والتجديد، وربطها بالتحقق من السجل الجنائي والسلوك العام، مع وجود آلية قانونية واضحة لتعليق أو سحب الترخيص ومصادرة السلاح عند ثبوت إساءة استخدامه أو توافر أسباب جدية تستدعي ذلك. حملات نوعية.. لا حملات عشوائية مواجهة السلاح غير المشروع تحتاج إلى عمل أمني نوعي ومدروس، وليس مجرد حملات مؤقتة تنتهي بانتهاء الحملة.

ومن أهم الإجراءات التي يمكن تعزيزها تنفيذ حملات تستهدف بؤر الخطورة والأشخاص المعروفين بسلوكيات إجرامية أو سوابق ذات صلة، وفق المعلومات المتوافرة والإجراءات القانونية والأذونات اللازمة، إلى جانب تكثيف الرقابة على المناطق والأماكن التي تتكرر فيها حوادث إطلاق النار أو استخدام الأسلحة. لكن يجب ألا تقتصر هذه الجهود على أصحاب الأسبقيات وحدهم، لأن الجريمة المسلحة، كما أسلفنا، قد تقع أيضاً على يد شخص لم يسبق له ارتكاب أي جريمة.

ولذلك فإن ضبط السلاح غير المرخص يجب أن يكون هدفاً قائماً بذاته، إلى جانب استهداف الأشخاص والمناطق ذات الخطورة المرتفعة. كما يمكن تعزيز نقاط التفتيش والضبط على الطرق العامة في إطار قانوني واضح، وبما يوازن بين متطلبات الأمن واحترام حقوق المواطنين، بحيث يكون الهدف اكتشاف الأسلحة غير المرخصة والمطلوبين والمركبات المرتبطة بجرائم، وليس تحويل الإجراءات الأمنية إلى ممارسة عشوائية.

عقوبات أكثر ردعاً لا يمكن أن تكون العقوبة منفصلة عن خطورة الفعل. إن حمل أو حيازة سلاح ناري بصورة غير مشروعة، وكذلك استخدامه في التهديد أو المشاجرات أو إطلاق النار، يجب أن يقابل بعقوبات رادعة وواضحة، مع تغليظ العقوبة عندما يقترن السلاح بجريمة أخرى، أو عندما يستخدم لإرهاب المواطنين أو تهديد حياتهم. كما أن إطلاق العيارات النارية دون مبرر مشروع يجب أن يُعامل باعتباره فعلاً بالغ الخطورة، حتى لو لم يؤدِّ إلى إصابة أحد؛ لأن الرصاصة التي تطلق في الهواء لا يمكن التحكم في مسارها، وقد تسقط على منزل أو مركبة أو طفل أو إنسان لا علاقة له بالحادث.

والأخطر من ذلك أن التساهل مع إطلاق النار في المناسبات أو المشاجرات يخلق ثقافة اجتماعية خطيرة تجعل استخدام السلاح أمراً مألوفاً، بينما الأصل أن تكون حياة الإنسان وسلامته فوق كل اعتبار. الإبلاغ السريع.. شريك أساسي في ضبط الظاهرة لا يمكن للأجهزة الأمنية أن تكون موجودة في كل شارع وكل حي وكل مناسبة، ولذلك فإن المواطن يجب أن يكون شريكاً حقيقياً في منظومة الوقاية.

ومن الضروري توفير وسائل سهلة وسريعة وآمنة للإبلاغ عن حيازة الأسلحة غير المشروعة، وإطلاق العيارات النارية، والتهديد بالسلاح، وتخزين الأسلحة بصورة تعرض الآخرين للخطر. ويجب أن تكون قنوات الإبلاغ واضحة وسريعة، سواء عبر الهاتف أو التطبيقات الإلكترونية أو المنصات الرقمية، مع ضمان السرية وحماية المبلّغين، والأهم أن يشعر المواطن أن البلاغ الذي يقدمه يصل إلى جهة مختصة ويتم التعامل معه بجدية وسرعة.

الوقاية تبدأ من المدرسة والأسرة والمجتمع المعالجة الأمنية وحدها لا تكفي. نحن بحاجة إلى تغيير النظرة الاجتماعية التي تجعل حمل السلاح نوعاً من الوجاهة أو القوة أو إثبات الرجولة. فالقوة الحقيقية ليست في امتلاك السلاح، وإنما في القدرة على ضبط النفس واحترام القانون وحماية الآخرين. وهنا يأتي دور الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات الدينية والاجتماعية في ترسيخ ثقافة رفض السلاح غير القانوني، والتوعية بمخاطر إطلاق النار في المناسبات، وبيان العواقب القانونية والإنسانية التي يمكن أن تترتب على طلقة واحدة. مقترحات عملية لمواجهة الظاهرة يمكن تعزيز الجهود الحالية من خلال حزمة متكاملة من الإجراءات، من أبرزها:

1. مراجعة تشريعات الأسلحة النارية وتشديد العقوبات على الحيازة والحمل غير المشروعين واستخدام السلاح في الجرائم.

2. تشديد شروط الترخيص والتجديد وإجراء مراجعات دورية لأهلية حائز السلاح.

3. سحب التراخيص ومصادرة الأسلحة عند ثبوت إساءة استخدامها أو وجود أسباب قانونية جدية تستوجب ذلك.

4. تنفيذ حملات أمنية نوعية ومستمرة تستهدف مصادر السلاح غير المشروع والأشخاص والمناطق ذات الخطورة المرتفعة، وفق الإجراءات القانونية.

5. تكثيف الضبط على الطرق العامة من خلال نقاط تفتيش مدروسة ومؤقتة ومبنية على التقييم الأمني للمخاطر.

6. تشديد العقوبة على إطلاق العيارات النارية دون مبرر، خصوصاً في المناسبات والأفراح والمشاجرات.

7. إنشاء قنوات إلكترونية سريعة للإبلاغ عن الأسلحة غير المرخصة وإطلاق النار والتهديد بالسلاح، مع ضمان السرية.

8. تعزيز تتبع الأسلحة المرخصة وتنظيم عمليات البيع والنقل والتنازل عنها، بما يمنع تسربها إلى غير المصرح لهم.

9. إطلاق حملات توعية وطنية تركز على أن السلاح مسؤولية قانونية وليست مظهراً اجتماعياً.

10. دراسة برامج تسليم طوعي للسلاح غير المرخص ضمن أطر قانونية محددة، بما يشجع من يرغب في التخلص من السلاح على تسليمه للجهات المختصة.

11. تحليل بيانات جرائم القتل والشروع بالقتل وإطلاق النار لمعرفة المناطق والأوقات والأنماط الأكثر ارتباطاً باستخدام الأسلحة، وتوجيه الموارد الأمنية وفقاً لهذه البيانات.

12. تعزيز التعاون بين الجهات الأمنية والقضائية لضمان سرعة التعامل مع قضايا الأسلحة وضمان تنفيذ الأحكام والعقوبات بصورة فعالة. الرصاصة لا تعود إلى فوهة المسدس إن خطورة السلاح الناري لا تكمن في وجوده فقط، وإنما في اللحظة التي يصبح فيها قرار إطلاق النار أسهل من قرار ضبط النفس. والمجتمع الآمن ليس المجتمع الذي يخلو من الخلافات؛ فالخلافات ستبقى موجودة، والانفعالات ستبقى جزءاً من الطبيعة البشرية، لكن المجتمع الآمن هو الذي يمنع الخلاف من التحول إلى جريمة، ويمنع لحظة الغضب من امتلاك وسيلة قادرة على إنهاء حياة إنسان.

 

لذلك فإن ضبط الأسلحة النارية ليس حملة أمنية عابرة، ولا مسؤولية جهة واحدة، بل هو مشروع وطني متكامل تشترك فيه الدولة والأجهزة الأمنية والقضاء والأسرة والمدرسة والإعلام والمواطن. فكل سلاح غير مشروع يتم ضبطه قد يمنع جريمة، وكل طلقة يتم منعها قد تنقذ حياة، وكل مواطن يبلغ عن ممارسة خطرة قد يكون سبباً في إنقاذ إنسان لا يعرفه. فالهدف النهائي ليس مصادرة السلاح من أجل المصادرة، وإنما حماية الإنسان من اللحظة التي يصبح فيها السلاح أقوى من القانون، وأسرع من العقل، وأقرب إلى اليد من الرحمة.




عدد المشاهدات : (250)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :