رم - بقلم عمر الدريني
تتكرر في صباحات آب الأردنية مشاهد الذهاب إلى المدارس لتصبح جزءًا من الذاكرة الوطنية. لكن خلف هذا المشهد ينبغي التساؤل: هل يكفي فتح أبواب المدارس للقول إن العام الدراسي قد بدأ؟
لا تبدأ المدرسة الحقيقية بقرع الجرس وتوزيع الكتب، بل عندما يشعر الطالب برغبة في التعلم، ويجد معلمًا يوقظ فضوله، وأسرة تشاركه رحلته.
بدأ طلبة الأردن عامهم الدراسي في الثالث والعشرين من آب، ضمن تقويم يمتد على 207 أيام دراسية. وكل يوم هو فرصة لبناء الإنسان.
المشكلة أن المدرسة قد تكون جاهزة ماديًا بتوفر المقاعد والكتب، لكن الجاهزية الأعمق هي الجاهزية الإنسانية؛ بأن يدرك المعلم ما يريد زراعته في طلابه: هل نريد طالبًا يحفظ، أم يفهم ويكتشف ويتعلم من خطئه ويضبط نفسه ذاتيًا؟
تقف المنظومة التعليمية اليوم أمام مرحلة مؤسسية جديدة لربط قطاعات التعليم، وهو تحول إداري يجب ألا يبقى مجرد هياكل وخطط في المكاتب، بل ينعكس داخل الصفوف شغفًا بالمعرفة.
إن أخطر ما نفعله هو التعامل مع العام الجديد كنسخة من السابق؛ فالطالب والمعلم والتكنولوجيا تغيروا. وفي عصر الوصول السريع للمعلومات، لم تعد مهمة المدرسة تقديم المعلومة، بل تعليم الطالب كيف يفكر ويسأل ويتحقق ويختار بمسؤولية.
وهنا يبرز دور المعلم، ليس كموظف يشرح الدرس، بل كملهم يكتشف المواهب ويغرس الثقة. فالمدرسة الناجحة لا تقيس الإنجاز بعدد الدروس، بل بعقول الطلبة وشخصياتهم.
الانضباط شرط أساسي للتعليم، لكنه تدريب على المسؤولية وليس خوفًا من العقوبة. وهنا تبرز أهمية عقد تربوي جديد بين المدرسة والأسرة، يتكامل فيه الطرفان لبناء الطالب.
إن بداية العام فرصة لإعادة ترتيب الأولويات؛ فالمقياس الحقيقي ليس المظهر الخارجي أو المادي، بل ما يتغير في شخصية الطالب من علم وانضباط وتفكير وقيم.
المدرسة ليست مجرد مبنى أو مقعد أو امتحان، بل هي وعدٌ بالمستقبل. والسؤال الحقيقي ليس عن جاهزية المدارس، بل عن جاهزيتنا جميعًا لصناعة عام يستحقه أبناؤنا..
لذلك، فإن السؤال الحقيقي في بداية العام الدراسي ليس: هل المدارس جاهزة لاستقبال الطلبة؟
بل:
هل نحن جميعًا جاهزون لصناعة عام يستحقه أبناؤنا؟