رم - ياسمين زاهدة
أيُّ مفارقةٍ تلك التي تجعل الإنسان يبتسم حين يتذكر ما أبكاه، ويضيق صدره حين يتذكر ما أسعده؟
الذاكرة لا تستعيد الأشياء كما كانت؛ تستعيدها بعد أن تغيّر موضعها في الحياة.
حين يستعيد المرء موقفًا مؤلمًا مضى عليه زمن، قد يجد في استحضاره راحةً لا يجدها في كثير من الذكريات الجميلة. الألم الذي كان يحتلّ الحاضر صار الآن جزءًا من زمنٍ مغلق. انتهت سلطته، وانقطعت صلته باليوم. يبقى خبره، تغيب قبضته. وكلما ابتعدت الواقعة، صار الإنسان أقدر على النظر إليها دون أن يعود إليها.
لهذا قد تحمل الذكرى الحزينة قدرًا غريبًا من الرضا؛ يكفي أنها لم تعد تحدث.
أما الذكرى السعيدة، فهنا تتبدل المسألة.
حين تعود لحظةٌ جميلة إلى الوعي، تعود معها معرفتنا بأنها لم تعد موجودة. قد تعود التفاصيل دقيقةً، ويبقى الزمن نفسه مستحيل الاستعادة. الضحكة التي كانت عفوية تصير عند تذكرها شيئًا يحتاج إلى الذاكرة كي يُسمع. اللقاء الذي كان عاديًا في وقته يصبح بعد سنوات حدثًا نعرف قيمته متأخرين. أشياء كثيرة لا نكتشف قيمتها وهي بين أيدينا؛ نكتشفها حين تصبح بعيدة.
وهنا يقع ذلك الالتباس العجيب:
الشيء المؤلم يفقد بعض ألمه حين يصبح ماضيًا، والشيء الجميل قد يكتسب ألمًا جديدًا لم يكن فيه أصلًا.
فالإنسان لا يحزن على الفرح لأنه كان حزينًا، وإنما لأنه يعرف الآن أنه كان فرحًا وانتهى.
تلك المعرفة وحدها كافية لتغيير مذاق الذكرى.
قد يمرّ المرء بسنواتٍ كاملة وهو يعيش تفاصيل يظنها عابرة، ثم يعود إليها بعد زمن فيكتشف أنها كانت من أثمن ما مرّ به. عندها لا تؤلمه اللحظة ذاتها؛ يؤلمه إدراكه المتأخر لقيمتها، وإدراكه الأشد مرارة أن قيمتها اتضحت في وقتٍ لم يعد يستطيع فيه الاحتفاظ بها.
لهذا لا تكون الذكريات متساوية في أثرها.
بعضها يمنح النفس يقينًا بأنها تجاوزت.
وبعضها يوقظ فيها إدراكًا بأن أشياء ثمينة يمكن أن تنتهي دون أن تنبّه أحدًا إلى لحظة انتهائها.
وربما كان أكثر ما يوجع في الذكريات السعيدة أنها تكشف للإنسان حقيقة لا ينتبه إليها أثناء عيشه: أن اللحظة التي تبدو عادية قد تكون، من حيث لا يدري، آخر مرة.
آخر حديث.
آخر لقاء.
آخر ضحكة في ذلك المكان.
آخر يومٍ كانت فيه بعض الأشياء على حالها.
لا أحد يعيش اللحظة وهو يعرف أنها ستصبح لاحقًا ذكرى. ولهذا تمرّ أشياء كثيرة من حياتنا دون أن نمنحها حقها من الانتباه.
وحين تعود، لا تعود لتخبرنا فقط بما كان؛ تعود لتخبرنا أن الإنسان كثيرًا ما يعرف قيمة الزمن بعد أن يفقد إمكانية العيش فيه.
لذلك قد تكون بعض الذكريات الحزينة أرحم من بعض الذكريات السعيدة؛ الحزن يخبرنا أن مرحلةً انتهت، أما الفرح القديم فيعرّفنا على شيءٍ كان يمكن أن يستمر في شعورنا، لولا أن الحياة اختارت له نهاية.
هكذا لا يصبح الماضي مكانًا واحدًا في الوجدان.
هناك ماضٍ يبعث على الارتياح لأننا خرجنا منه، وماضٍ يبعث على الحنين لأننا لم نعرف، ونحن داخله، أنه كان يستحق كل ذلك الامتنان.
ولعل أقسى ما تمنحه الذاكرة هو إعادة الوعي بقيمة أشياء لم نعرف قيمتها إلا بعد أن صار الوصول إليها مستحيلًا.
بقلم: ياسمين زاهدة