لقاء الشيباني ورئيس الموساد بين التبرير والرفض .. أين تكمن الحقيقة ؟


رم -

د. مهدي مبارك عبد الله

اللقاء الاخير الذي جمع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني برئيس جهاز الموساد الإسرائيلي رومان غوفمان في الأردن يوم الأحد 23 آب / أغسطس 2026 في الأردن بوساطة أمريكية بهدف احتواء التصعيد الذي تفجر بعد القصف الإسرائيلي لقاعدة أبو الظهور السورية أثار جدلا واسعا داخل سوريا وخارجها بين من اعتبره خطوة تفرضها ضرورات المرحلة لمنع الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة وبين من رأى فيه تجاوزا للخطوط السياسية والوطنية في وقت تواصل فيه إسرائيل احتلال أجزاء من الأراضي السورية وتوجه ضرباتها العسكرية وتتدخل في الشأن السوري بصورة استفزازية فجة غير أن قراءة هذا اللقاء بمنطق الأبيض والأسود قد تكون أقرب إلى الانفعال منها إلى السياسة لأن الدول لا تدير أزمات وجودية بالشعارات والتصريحات وإنما بحسابات دقيقة لموازين القوة والمخاطر والبدائل المتاحة .

 

اقتناءالخرائط والأطلس الجغرافي اللافت ان الاجتماع لم يأت في ظروف طبيعية أو في سياق عملية سلام مكتملة وإنما جاء بعد تصعيد إسرائيلي خطير وبعد غارة استهدفت قاعدة أبو الظهور وفي ظل توتر متزايد حول الجنوب السوري والوجود التركي في سوريا ولذلك فإن تفسيره باعتباره بداية تطبيع أو تحولا استراتيجيا سوريا نحو إسرائيل يبدو متسرعا كما أن اعتباره مجرد لقاء عابر لا قيمة سياسية له يقلل من أهمية ما جرى خاصة وانه بمجرد انتقال الاتصالات من القنوات السرية وغير المباشرة إلى اجتماع يضم وزير خارجية سوري ورئيس جهاز الموساد يمثل تطورا متقدما في مستوى الاتصال بين الطرفين .

 

الرواية السورية حول الاجتماع تدعي بانه جاء في إطار خفض التصعيد ومنع المواجهة وإن دمشق تتمسك بمطالب واضحة في مقدمتها وقف الاعتداءات الإسرائيلية والعودة إلى ترتيبات فض الاشتباك وضرورة انسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي دخلتها بعد سقوط النظام السابق وهذه النقطة تحديدا مهمة لأنها تعني أن مجرد اللقاء لا يساوي بالضرورة تنازلا سوريا بل يمكن أن يكون أداة اضطرارية لإدارة الصراع حيث دخلت دمشق إلى التفاوض وهي تعرف ماذا تريد وما الذي ترفضه وما الذي تستطيع تقديمه وما الذي لا تستطيع تقديمه .

 

المشكلة الحقيقية قد تبدأ عندما تتحول الواقعية السياسية من وسيلة لحماية المصالح الوطنية إلى غاية بحد ذاتها وإسرائيل لا تنظر إلى الاتصالات مع دمشق باعتبارها عملا إنسانيا أو رغبة مجردة في الاستقرار وإنما بوصفها جزءا اساسيا من منظومة أمنية واستراتيجية أوسع هدفها ضمان بيئة سورية لا تشكل تهديدا لها وإعادة رسم حدود الحركة العسكرية والسياسية في الجنوب السوري بما يخدم وجودها ومصالحها ولذلك فإن إسرائيل قد تقبل بالتهدئة إذا كانت التهدئة تمنحها الأمن الذي تريده لكنها لن تتخلى بسهولة عن الأوراق التي صنعتها بالقوة .

 

المفارقة الكبرى في اللقاء تكمن بان دمشق تحتاج إلى وقف الضربات الإسرائيلية ومنع فتح جبهة جديدة وهي في مرحلة إعادة بناء دولة أنهكتها سنوات الحرب والانقسام بينما تريد إسرائيل ضمانات أمنية واسعة وترغب في الوقت نفسه بالاحتفاظ بحرية الحركة العسكرية والضغط السياسي وهما مطلبان متعارضان في جوهرهما ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام الدبلوماسية السورية ليس مجرد الوصول إلى اتفاق مع إسرائيل وإنما منع تحويل الاتفاق الأمني إلى مظلة تمنح إسرائيل شرعية لأمر واقع فرضته السيطرة .

 

ربما يكون من الخطأ أيضا تجاهل البعد الأمريكي في هذه الاتصالات خاصة وان الولايات المتحدة لم تكن مجرد مراقب وإنما لعبت دورا في دفع الطرفين إلى الاجتماع وهو ما يعني أن واشنطن ترى في ضبط العلاقة السورية الإسرائيلية جزءا من هندسة إقليمية أوسع ومنع انفجار جديد قد يتقاطع مع المصالح التركية والإسرائيلية والسورية في آن واحد ومن هنا فإن دمشق لا تتفاوض مع إسرائيل وحدها وإنما تتحرك داخل شبكة شديدة التعقيد تتداخل فيها الحسابات الأمريكية والتركية والإسرائيلية والعربية .

 

على الجانب الاخر الذين يرفضون اللقاء من حيث المبدأ لديهم أسباب واقعية ومفهومة ومشروعة فكيف يمكن الحديث عن خفض التصعيد بينما القوات الإسرائيلية موجودة داخل الأراضي السورية وكيف يمكن بناء الثقة مع دولة احتلالية تواصل استخدام القوة العسكرية وكيف يمكن إقناع الرأي العام السوري بأن الحوار ليس تنازلا وخضوع في الوقت الذي لا تزال فيه إسرائيل تضرب الأراضي السورية متى شاءت وهذه أسئلة سياسية حقيقية ومهمة وليست مجرد اعتراضات واحاسيس عاطفية .

 

لكن الرفض المطلق والكلي لا يقدم بديلا عمليا وعدم الحديث مع الاسرائيلي لا يمنع الضربات وعدم اللقاء لا يوقف التوغلات والانقطاع عن قنوات الاتصال لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على الرد ولذلك فإن القضية ليست في مبدأ الاتصال وإنما في شروطه وحدوده ونتائجه وإذا كان اللقاء وسيلة لتجميد الاعتداءات وحماية السيادة السورية وفتح طريق نحو انسحاب إسرائيلي فهو اتصال سياسي يمكن الدفاع عنه أما إذا تحول إلى مدخل لقبول الأمر الواقع الإسرائيلي أو إلى ترتيبات أمنية أحادية الجانب تقيد سوريا بينما تمنح إسرائيل حرية الحركة فإن الرفض يصبح موقفا سياسيا مبررا وواجبا .

 

لعل الأخطر في المسألة أن تتحول غرفة التنسيق الأمني التي يجري الحديث عنها إلى بديل عن الحل السياسي وان التنسيق لمنع الصدام قد يكون ضروريا في مرحلة معينة لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى نظام دائم لإدارة الاحتلال والتوغلات مع الفهم بان المشكلة السورية الإسرائيلية ليست سوء تفاهم بين جيشين حتى تحل بمجرد تبادل المعلومات وإنما هي قضية أرض وسيادة وأمن وحدود وحقوق واتفاقات دولية. بعض الخبراء والمحللين يرون ان معيار الحكم على لقاء الشيباني وغوفمان يجب ألا يكون حول صورة اللقاء ولا هوية الشخص الذي جلس على الطاولة وإنما ما الذي ستنتجه هذه الاتصالات على الأرض فإذا توقفت الاعتداءات وتراجعت القوات الإسرائيلية وجرى تثبيت سيادة سوريا على أراضيها فإن اللقاء يكون قد أدى وظيفة سياسية مشروعة وإذا حدث العكس وتحولت دمشق إلى الطرف المطالب دائما بتقديم الضمانات بينما تحتفظ إسرائيل بحق الضرب والتوغل فإن الواقعية تكون قد انقلبت إلى تنازل .

 

سوريا الجيدة اليوم أمام مرحلة مختلفة تماما عن الماضي وهي تحتاج إلى استعادة الدولة وترميم الاقتصاد وإعادة بناء المؤسسات ومنع عودة الحرب ولذلك فإن امتلاك قنوات اتصال مع الخصوم ليس ضعفا في ذاته بل قد يكون جزءا من القوة السياسية بشرط ألا يتحول الاتصال إلى تبعية وألا تتحول التهدئة إلى استسلام وألا تتحول الوساطة الأمريكية إلى وصاية على القرار السوري .

 

الرؤية الأهم أن نعلم بان اللقاء لم يبدأ من الصفر حيث كشف الشيباني قبل ذلك أن دمشق وتل أبيب كانتا قد توصلتا على الورق إلى تفاهمات بشأن معظم القضايا الأمنية تقريبًا منذ بداية عام 2026 لكنها لم تتحول إلى اتفاق نهائي ملزم حيث شملت التفاهمات وقف الهجمات الإسرائيلية على سوريا وعدم التدخل في شؤونها الداخلية والانسحاب الإسرائيلي من المواقع التي سيطرت عليها بعد سقوط نظام الأسد وارساء ترتيبات أمنية في الجنوب السوري وإنشاء مناطق أمنية ومنطقة عازلة يكون الوجود فيها لقوات الأمم المتحدة فقط مع ترتيبات تحدد حجم وانتشار القوات السورية في المناطق الأخرى. في المقابل إسرائيل لم تلتزم فعليًا بما كان يجري التفاوض عليه وبقي كل ذلك حبر على ورق زحتى قبل لقاء الشيباني وغوفمان واصلت تل ابيب عملياتها العسكرية داخل الأراضي السورية ثم قصفت قاعدة أبو الظهور في 18 آب/أغسطس رغم تأكيد دمشق أنها لن تكون قاعدة تركية وأنها ستبقى تحت السيادة والسيطرة السورية . بناء على كل ما سبق فإن السؤال المطروح باستعراب هل ستلتزم إسرائيل بما يتم الاتفاق عليه ربما لا يمكن الإجابة عنه بالثقة الدبلوماسية وحدها بل بالتجربة الإسرائيلية نفسها خاصة وان دمشق أعلنت صراحة أن المشكلة الأساسية هي انعدام الثقة في استعداد إسرائيل لتنفيذ ما يتم التوصل إليه ك ويجب التذكير بان المفاوضات السابقة جُمدت بعد اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ثم انقطعت الاتصالات بعد الضربات الإسرائيلية الأخيرة. الاختبار الحقيقي للقاء ليس ما قيل حول الطاولة بل ما ستفعله إسرائيل بعد مغادرة الشيباني لها فإذا توقفت الغارات والاغتيالات والتوغلات وبدأ الانسحاب واحترام السيادة السورية يصبح للحديث عن تفاهم أمني معنى أما إذا استمرت الاعتداءات فإن اللقاء يتحول إلى مجرد قناة لإدارة الأزمة لا إلى اتفاق لإنهائها .

 

ختاما : إن لقاء الشيباني ورئيس الموساد لا ينبغي أن يقرأ باعتباره انتصارا لإسرائيل ولا انتصارا لسوريا لان الانتصار الحقيقي سيقاس بما إذا كانت دمشق قادرة على استخدام هذه القناة لوقف العدوان واستعادة الأرض وتثبيت السيادة أم أن إسرائيل ستستخدمها لتكريس وقائع جديدة في سوريا اكثر سوءا وتوغل وما بين التبرير والرفض تبقى السياسة الحقيقية هي القدرة على التفاوض دون التفريط والتهدئة دون الاستسلام والانفتاح على الخصم دون السماح له بتحويل الحوار إلى أداة لفرض شروطه . كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية [email protected]




عدد المشاهدات : (596)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :