الأستاذ الدكتور يحيا سلامه خريسات
لا تُستعاد ذكرى المولد النبوي الشريف باعتبارها حدثًا تاريخيًا مضى وانقضى، وإنما نستحضرها بوصفها محطة متجددة نستعيد فيها معاني الرسالة التي جاء بها سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، والتي غيّرت وجه التاريخ، وأخرجت الإنسان من ظلمات الجهل والظلم والتناحر إلى نور الإيمان والعلم والعدل والرحمة.
فمولد النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم، كان إيذانًا بميلاد أمة حملت رسالة تجاوزت حدود المكان والزمان، وجمعت بين العقيدة والأخلاق، وبين العبادة والعمل، وبين صلاح الفرد وبناء المجتمع. ولم تكن عظمة الر سالة المحمدية في دعوتها إلى الإيمان بالله وحده فحسب، وإنما في قدرتها على بناء الإنسان الصالح القادر على إعمار الأرض، وإقامة العدل، وصون الكرامة، ونشر الرحمة والتكافل بين الناس. وقد جاء الرسول الأعظم، صلى الله عليه وسلم، ليقدم النموذج العملي للإنسان الذي أراد الإسلام بناءه؛ فكان قرآنًا يمشي بين الناس، صدقًا وأمانةً ورحمةً وتواضعًا وعدلًا وحلمًا.
ولذلك لم تكن سيرته مجموعة من المواقف التي نرويها، ولا أقوالًا نرددها في المناسبات، وإنما كانت منهج حياة قابلًا للاقتداء والتطبيق. ومن هنا، فإن أعظم ما يمكن أن نقدمه في ذكرى مولده الشريف ليس كثرة الحديث عنه، وإنما أن نسأل أنفسنا: ماذا بقي من أخلاق محمد، صلى الله عليه وسلم، في سلوكنا؟ هل نمارس الصدق حين يكون الصدق مكلفًا؟ وهل نؤدي الأمانة حين لا يراقبنا أحد؟ وهل نعفو عند المقدرة، ونرحم الضعيف، ونحفظ حقوق الآخرين، ونحسن إلى من أساء إلينا؟ وهل نحرص على أن يكون حضورنا في حياة الآخرين مصدر خير وطمأنينة وسلام؟ إن الاقتداء بالنبي، صلى الله عليه وسلم، لا يكون بالقول وحده، ولا بالشعارات والمظاهر، وإنما بالعم ل الذي يترجم محبته إلى واقع. فمحبة الرسول الكريم تقتضي اتباع سنته، والاقتداء بأخلاقه، والالتزام بمنهجه في التعامل مع الناس، وفي أداء المسؤولية، وفي احترام الإنسان، وفي نشر الخير ومحاربة الظلم والفساد والكراهية.
وإذا كانت الأمة الإسلامية قد خرجت من رحم مجتمع متناحر إلى أمة متماسكة بفضل القيم التي جاء بها الإسلام، فإن حاجتنا اليوم إلى تلك القيم ليست أقل من حاجتنا إليها في أي وقت مضى. فما أحوج مجتمعاتنا إلى الصدق بدل الخداع، وإلى الأمانة بدل الاستغلال، وإلى الرحمة بدل القسوة، وإلى الحوار بدل الخصومة، وإلى العمل والإتقان بدل الاتكال والتواكل.
إن ذكرى المولد النبوي الشريف ينبغي أن تكون فرصة لإحياء هذه المعاني في حياتنا اليومية، وفي أسرنا ومؤسساتنا ومجتمعاتنا، وأن ننتقل من الاحتفاء بالنبي، صلى الله عليه وسلم، إلى الاقتداء به، ومن الحديث عن سيرته إلى استحضارها في سلوكنا، ومن محبة الرسول باللسان إلى محبته بالفعل والعمل. فالنبي الكريم لم يترك لنا تراثًا من الكلمات فحسب، بل ترك نموذجًا إنسانيًا خالدًا أثبت أن بناء الأمم يبدأ ببناء الإنسان، وأن قوة المجتمع لا تقاس بما يملك من موارد فقط، وإنما بما يمتلكه أفراده من قيم وأخلاق ومسؤولية.
وفي ذكرى مولده الشريف، لنجعل من هذه المناسبة وقف ة صادقة مع الذات، نراجع فيها سلوكنا، ونصحح أخطاءنا، ونرد الحقوق إلى أصحابها، ونصل أرحامنا، ونحسن إلى من حولنا، ونجعل من أخلاق المصطفى، صلى الله عليه وسلم، معيارًا في تعاملاتنا وحياتنا. فكلما اقتربنا من أخلاقه اقتربنا من جوهر رسالته، وكلما ترجمنا سنته إلى عمل أصبحنا أقدر على حمل الأمانة التي تركها في أمته. وما أجمل أن يكون احتفالنا بمولد خير البرية بدايةً لولادة جديدة في سلوكنا؛ فنولد معه من جديد: صدقًا، وأمانةً، ورحمةً، وعملًا صالحًا، ونورًا يهتدي به الآخرون.
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |