رم - بقلم: د. جمال الدباس
هل يمكن أن يتحول الفطر الذي نعرفه كغذاء إلى جزء من علاج السرطان أو السكري أو أمراض المناعة والدماغ؟
السؤال لم يعد مجرد فكرة غريبة. فالفطر أصبح خلال السنوات الأخيرة محط اهتمام متزايد في الأبحاث الطبية، بعد اكتشاف مركبات طبيعية داخله أظهرت تأثيرات محتملة مضادة للالتهاب والأكسدة، ومحفزة للمناعة، بل ومضادة لنمو بعض الخلايا السرطانية.
وتشير مراجعة نشرها Medscape Europe في 24 أغسطس 2026 إلى أن الفطر يحتوي على مركبات نشطة مثل Beta-glucans وTriterpenoids والمركبات الفينولية وErgosterol، وهي مواد يدرس الباحثون تأثيرها في عدد من الأمراض.
السرطان في مقدمة الاهتمام
النتائج الأكثر إثارة جاءت من أبحاث السرطان.
ففي الدراسات المخبرية والحيوانية، استطاعت بعض مركبات الفطر الحد من تكاثر الخلايا السرطانية وانتشارها وتكوين الأوعية الدموية التي تغذي الأورام. كما ظهرت مؤشرات إلى أنها قد تساعد العلاج الكيميائي على العمل بصورة أفضل.
والأمر لم يتوقف عند المختبر.
فقد أشارت دراسة كبيرة إلى تحسن البقاء لدى بعض مرضى سرطان المعدة عندما أضيفت مركبات مستخلصة من أحد أنواع الفطر إلى العلاج الكيميائي بعد الجراحة.
وفي دراسة عشوائية شملت 141 مريضا بسرطان متقدم في الحنجرة أو البلعوم، ارتبطت إضافة مستخلص من فطر Maitake إلى العلاج الكيميائي والإشعاعي بتحسن التعافي والبقاء، مع انخفاض بعض المضاعفات الشديدة للعلاج.
لكن هنا يجب التوقف عند نقطة مهمة: هذا لا يعني أن الفطر يعالج السرطان. الحديث يدور عن مستخلصات محددة دُرست كعلاج مساعد إلى جانب العلاج الطبي المعتاد، وليس بديلا عنه.
والسكري والقلب والدماغ أيضا
الاهتمام لا يقتصر على السرطان.
فمركبات Beta-glucans الموجودة في بعض أنواع الفطر قد تؤثر في سكر الدم ومقاومة الإنسولين والميكروبيوم المعوي، ولذلك يدرس الباحثون دورها المحتمل في أمراض الاستقلاب والسكري.
وهناك مركبات أخرى قد تساعد في خفض ضغط الدم، بينما تجرى أبحاث على تأثيرات محتملة للفطر في المناعة وبعض الفيروسات.
حتى الدماغ دخل على الخط؛ إذ يثير فطر Lion’s Mane اهتمام الباحثين لاحتوائه على مركبات قد تحفز عوامل نمو الأعصاب، ويجري بحثها في مجال حماية الخلايا العصبية وأمراض مثل ألزهايمر.
ولكن… لا تتسرعوا بشراء المكملات
هنا تكمن الرسالة الأهم.
تنتشر اليوم مكملات تحمل أسماء مثل Reishi وShiitake وMaitake وCordyceps وLion’s Mane، وقد توحي الإعلانات أحيانا بأن فوائدها الطبية أصبحت محسومة.
العلم لا يقول ذلك حتى الآن.
فمعظم النتائج الواعدة جاءت من المختبر أو الدراسات قبل السريرية، بينما لا تزال التجارب الكبيرة على البشر محدودة. كما تختلف المستخلصات والجرعات وتركيز المواد الفعالة بصورة كبيرة من منتج إلى آخر.
لذلك يبدو الفطر اليوم واعدا كمنجم لمركبات دوائية محتملة، وليس كعلاج سحري جاهز.
وقد يكون السؤال في المستقبل ليس: هل نأكل الفطر لعلاج المرض؟ بل: أي مادة داخله يمكن استخلاصها، وبأي جرعة، ولأي مريض، وهل تستطيع فعلا تحسين النتائج عند الإنسان؟
وهذه هي المسافة التي ما زال على العلم أن يقطعها.
المصدر: Medscape Europe
24 August 2026