فريحات يكتب : الوطن أوسع من الاصطفاف


رم -

كتب النائب اية الله فريحات

على امتداد عامين من العمل البرلماني، وفي أكثر من استحقاق تشريعي ورقابي، واجهتُ سؤالًا بدا في ظاهره استفهامًا، وفي باطنه محاكمةً للموقف: «هل أنت تعارض الدولة؟»؛ سؤالٌ أُريد له، بقدرٍ من التهكم، أن ينقل الاختلاف من ساحته الطبيعية، السياسة والتشريع والرقابة، إلى ساحة الولاء، وكأن النائب لا يملك أن يقول «لا» إلا بعد أن يستصدر براءةً مسبقة في الوطنية.


وهنا يكمن أصل الالتباس: الدولة ليست الحكومة، والحكومة ليست الوطن، والاختلاف مع سياسة لا يعني الافتراق عن الدولة.
فالدولة أرسخ من حكوماتها، وأبقى من سياساتها، وأوسع من قراراتها اليومية؛ تتعاقب عليها الإدارات، بينما تبقى ثوابتها وشرعيتها ومؤسساتها. ومن ثم، فإن مساءلة السلطة التنفيذية ليست منازعةً للدولة، بل ممارسة لوظيفة دستورية تحفظ توازنها، وتصون مؤسساتها، وتحول دون انزياح السلطة من موقع الخدمة العامة إلى موقع الاستئثار بتعريف المصلحة الوطنية.


إن البرلمان الذي يُطلب منه أن يراقب ثم يُؤاخذ لأنه راقب، لا يُراد له أن يكون سلطةً دستورية، بل صدىً مؤسسيًا للسلطة التنفيذية. والرقابة ليست خصومة، كما أن النقد ليس قطيعة؛ بل هما من أدوات الدولة حين تكون واثقةً من نفسها، مؤمنةً بأن قوتها لا تُستمد من صمت المختلفين، وإنما من صلابة مؤسساتها.


والاستقرار الذي يستحق أن نحرسه ليس سكونًا مفروضًا، بل قدرةٌ وطنية على استيعاب الاختلاف وإدارته تحت سقف الدستور والقانون. أما تحويل الوطنية إلى معيار لفرز الناس بحسب قربهم من الموقف الحكومي، فهو اختزال للوطن في لحظته التنفيذية، وإفقار لمعنى الانتماء.


فالوطنية ليست صكًا يمنحه أحد، ولا امتيازًا يُسحب من مختلف؛ إنها علاقة ضمير بين الإنسان ووطنه. ومن آمن بالأردن وثوابته وأمنه واستقراره ونظامه السياسي، لا يحتاج إلى شهادة من أحد كلما مارس حقه في السؤال أو الاعتراض أو الرقابة.


أما الذين يتكسبون من المزايدات، ويجعلون من الوطنية سلّمًا للنفوذ، فلا يحمون الدولة حين يضيّقون على المختلف؛ إنما يستهلكون رصيدها المعنوي، ويخلطون بين هيبة الدولة وهيبة السلطة. فهيبة الدولة تُصان بسيادة القانون، لا بتحصين القرار من المساءلة.


لقد كانت مواقفي التشريعية والرقابية، وستبقى، نابعةً من قناعة بأن النائب لا يُنتخب ليكون نسخةً من السلطة التنفيذية، بل صوتًا مستقلًا داخل الدولة، يمارس اختصاصه بضمير وطني، ويختلف حين يرى في الاختلاف مصلحة عامة، ويتحمل تبعة موقفه دون أن يستعير قناعته من أحد.


ولذلك، فإن جوهر المسألة ليس: هل أنت مع الحكومة أم ضدها؟ بل: هل أنت مع دولة المؤسسات، أم مع اختزال الدولة في إرادة السلطة؟
أما أنا، فمع الأردن؛ مع ثوابته وأمنه واستقراره، ومع دولة تكون فيها المؤسسات أقوى من الأشخاص، والقانون أعلى من الأهواء، والاختلاف حقًا لا شبهة، والرقابة حصانةً لا خصومة.


وهذا الموقف، في جوهره، ليس إلا استجابةً صادقة لروح خطب العرش السامي التي أرست معالم الطريق، وللتوجيهات الملكية التي جعلت من بناء الدولة القوية، وترسيخ مؤسساتها، وصون هيبتها، وتعزيز منعتها، مسؤوليةً مشتركة لا شعارًا يُرفع. وهو، قبل ذلك وبعده، وفاءٌ لذلك التعهد الملكي النبيل بأن يبقى الأردن عزيزًا، قويًا، مهابا؛ لا بمجرد علوّ الخطاب، وإنما بصلابة الدولة، ورسوخ مؤسساتها، ووعي أبنائها، وصدق انتمائهم إليها.


فحين نختلف داخل مؤسسات الدولة، ونراقب أداءها، ونصون ثوابتها، ونحمي أمنها واستقرارها، فإننا لا نبتعد عن جوهر التوجيه الملكي؛ بل نترجمه إلى ممارسة ومسؤولية، ونحوّل معانيه إلى سلوك مؤسسي يحفظ للدولة قوتها وللوطن مناعته.


هذا هو الأردن الذي أحببناه، وعشنا فيه، ونرسم مستقبل أبنائنا على أرضه؛ الأردن الذي نريد أن نأتمن عليه أبناءنا كما ائتمننا عليه آباؤنا: وطنًا عزيزًا، ودولةً واثقةً من نفسها، ومؤسساتٍ لا تخشى السؤال، وثوابتَ لا تحتاج إلى مزايدة، ومستقبلًا يتسع للاختلاف دون أن يتسع على الوطن.
هذا هو الأردن الذي نحب؛ لا نختلف عليه، بل نختلف من أجله.




عدد المشاهدات : (4076)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :