رم - بقلم الدكتورة ميس حياصات
في الوقت الذي تتقدم فيه الدولة بمسار التحديث السياسي، وتُطرح المشاركة الشعبية باعتبارها ركناً أساسياً في تطوير الحياة السياسية، يأتي قرار مجلس النواب، والذي استغربه تماماً، بإلغاء انتخاب المواطنين لمجالس المحافظات واستبداله بتعيين الأعضاء من قبل الوزير، ليضع مفهوم اللامركزية أمام سؤال سياسي لا يمكن تجاهله: هل نحن أمام تطوير للتجربة، أم تراجع عن جوهرها؟
المسألة ليست مجرد تعديل في آلية اختيار أعضاء مجلس المحافظة؛ فالانتخاب كان يمنح المواطن دوراً مباشراً في اختيار من يمثله، ويمنح المجلس شرعية مستمدة من أصوات أبناء المحافظة. أما التعيين، فينقل هذه الصلاحية من المواطن إلى السلطة التنفيذية، ويعيد رسم العلاقة بين المواطن ومجلس المحافظة بصورة مختلفة تماماً.
وهنا تبدأ الأسئلة الأهم: على أي أساس سيختار الوزير الأعضاء؟ وهل ستكون الكفاءة والخبرة والنزاهة هي المعايير الحاكمة، أم ستدخل اعتبارات أخرى في عملية الاختيار؟
والقلق لا يرتبط بشخص الوزير، وإنما بطبيعة نظام التعيين نفسه. فعندما تنتقل سلطة اختيار أعضاء مجلس المحافظة من آلاف الناخبين إلى جهة تنفيذية، تصبح هناك مساحة أكبر لاحتمال تدخل المحسوبية والواسطة والعلاقات والنفوذ، على حساب أصحاب الكفاءة والخبرة، وقد لا يكون المجلس عندها انعكاساً حقيقياً لاحتياجات المجتمع المحلي بقدر ما يصبح انعكاساً للمعايير التي تحكم عملية التعيين.
وقد يُقال إن رؤساء المجالس البلدية منتخبون، وهذا صحيح، لكن الانتخاب على مستوى البلدية يمنح صاحبه تفويضاً لتمثيل سكان بلديته، وليس بالضرورة تفويضاً تلقائياً لتمثيل سكان المحافظة بأكملها. فهل يصبح التفويض المحلي تفويضاً على مستوى المحافظة؟
وهنا تكمن حساسية القرار؛ لأن إلغاء الانتخاب لا يعني فقط سحب حق المواطن في الاختيار، وإنما يضعف أيضاً إحدى أدوات المساءلة الشعبية. فالعضو المنتخب يستمد شرعيته من المواطن، بينما يحتاج العضو غير المنتخب إلى ضمانات مؤسسية واضحة تضمن مساءلته أمام المجتمع المحلي.
كما أن الكفاءة وحدها لا تنتج شرعية شعبية، والانتخاب وحده لا يضمن الكفاءة؛ والتحدي الحقيقي هو إيجاد صيغة تجمع بين الكفاءة والتمثيل والمساءلة، بدلاً من التضحية بأحدها لصالح الآخر.
وإذا كانت تجربة مجالس المحافظات السابقة قد كشفت عن ضعف أو قصور، فإن السؤال المشروع هو: لماذا لا تتم معالجة الخلل بتطوير التجربة الانتخابية، ورفع شروط الترشح، وتعزيز الرقابة والمساءلة، وتطوير آليات الانتخاب، ومعالجة مظاهر المال السياسي والواسطة، بدلاً من إلغاء الانتخاب بالكامل؟
ويصبح الأمر أكثر حساسية عند وضع القرار في سياق التحديث السياسي؛ فالتوجيهات الملكية بشأن منظومة التحديث السياسي ارتبطت بتوسيع المشاركة وتعزيز دور المواطن في الحياة العامة وتطوير أدوات التمثيل السياسي. ولذلك فإن تقليص دور المواطن في اختيار ممثليه محلياً يستدعي نقاشاً واضحاً حول مدى انسجام هذه الخطوة مع روح ذلك المسار.
فاللامركزية لا تعني فقط نقل بعض الصلاحيات من المركز إلى المحافظات، وإنما تعني أن يكون للمجتمع المحلي دور حقيقي في تحديد من يمثله والتعبير عن أولوياته. فالتنمية لا يمكن أن تكون بديلاً عن التمثيل، كما أن التمثيل لا يكتمل من دون صلاحيات وموارد حقيقية.
لذلك، فإن القضية تتجاوز سؤال الانتخاب أو التعيين إلى سؤال أعمق: هل نريد مجالس محافظات أقرب إلى المواطن، أم مجالس تُختار بعيداً عن إرادته؟
نريد مجالس أكثر كفاءة وقدرة على صناعة التنمية واتخاذ القرار، لكننا نريد أيضاً مجالس يشعر معها المواطن أن له صوتاً في اختيار من يمثله، وأن مشاركته ليست مجرد محطة انتخابية.
فإذا لم يختر المواطن العضو، فكيف يستطيع المواطن أن يحاسبه؟
وحين يُسحب من المواطن حق اختيار من يمثله على مستوى المحافظة، يبقى السؤال الذي يجب ألا يغيب عن النقاش:
إذا غاب المواطن عن اختيار من يمثله، فأين تبدأ اللامركزية وأين تنتهي؟