(وليتك تسلم)!


رم -

أ.د طارق عبد القادر المجالي

ورد في سير أعلام النبلاء : سئل الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله، كيف السبيل إلى السلامة من الناس؟! فأجاب: تعطيهم ولا تأخذ منهم، يؤذونك ولا تؤذيهم ، تقضي مصالحهم ولا تكلفهم بقضاء مصالحك. قيل له: هذه صعبة يا إمام !! قال: وليتك تسلم.

الناس فريقان وما بينهما من البشر قليل، أولهما فريق يُسخّر وقته وجهده وماله وصحته للناس، تراه معهم في كل مكان: متأبطا عباءته في أفراحهم وأتراحهم وولائمهم وجاهاتهم و(عطواتهم) وجميع مناسباتهم، ورهن إشارتهم لحلّ مشاجراتهم، وفض نزاعاتهم، رفيقا لهم في المراكز الأمنية ،وربما يعرف مهاجع السجناء وغرف إدارة المخدرات أكثر من بيته!

 

وإن نام سحرا من الليل في بيته وبين أطفاله، فجواله لا يهدأ ولا ينام !! لقد وهب كلّ شيء للناس وحوائجهم ، لا همّ له إلا رضاهم، والآخر يتدثر بدثارهم ويقتفي آثارهم فاختلط الفريقان بين من يقدم خدماته تدينا وخلقا رفيعا، أومن كان دافعه السمعة والرياء لمصلحة أو منفعة خاصّة مادية أو معنوية ، فالله ،سبحانه، هو أعلم بالنوايا ، وهنا لا أتّهم، بل أصفُ الظاهرة كما هي دون تزييف؛ لأن المجتمع بات أكثر وعيا بأنّ هؤلاء ليسوا طبقة واحدة لا هدفا ولا غاية ، فمنهم المصلح (7 جيد) على الفحص الكامل، ومنهم الذي لا يخلو من قصعات أو شرخ في (الشاصي)، ومنهم من أتقن فن دهان( البودي) ويحتاج مُحركهُ إلى (أفرهول) بسبب (الكوشنيت) ونقص الزيت، وانبعاث دخان سمعته الذي يزكم الأنوف!! ويجب التنبيه على أن المُصلح الحقيقي، هو من يسعى بين الناس لإصلاح ذات البين مؤمنا بأنّه من أعظم الطاعات والقُرُبات، متمثلا قول الله تعالى: "لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس"

 

هذه الثلّة من الناس هم سببٌ ربانيّ لنشر المحبة وتأليف القلوب، وترابط المجتمع، وأجرهم هو أجرٌ يفضلُ، أحيانا بعض نوافل الصلاة والصّيام والصّدقة. وهم معَ هذا كلّه عُرضة للانتقاد ولوك الألسنة، والظنّ السّيء، ووضعهم في دائرة الشّك والاتّهام في حركاتهم وسكناتهم... عجبا لأمر النّاس! هؤلاء يُضحّون بكلّ شيء لأجلهم، وليتَهم يسْلَمُون!! ( ليتهم يسلمون) نظرية تجعل الإنسان حيران أسِفا، والسؤال الفلسفي الأبدي: كيف لي أن أنجو بنفسي، وأسلم من الناس ومن أذاهم وبذاءة ألسنتهم المتواصلة؟ هل الابتعاد عنهم والعزلة تفي بهذا الغرض الآمن؟ وإنْ فعلتَ ( ليتك تسلم) وهل لو أعطيتهم ما تستطيع من وقت ومال وجهد ستسلم ؟ أبدا والله! حين يطلبك يكون أرقّ من النسيم الغضّ إذا سرى، فتعطيه بعين الرضا ، وإن طلبته ما أعطيته ذات يوم صار كوحيد القرن وغرير العسل مواجهة وصدّا!! حينها (ليتك تسلم).

 

تبادره لإسعاده في فرح أولاده ( بنقوط على قدّ الحال) فتلتقطك الكاميرا المسلّطة أعلى كتفيه، لتحرر لك مخالفة أبديّة، هي مدار الحديث لسنوات طوال!! و(ليتك تسلم)! تحاول أن تخفف على الناس لكثرة أعبائهم فتقيم حفلة متواضعة لزفاف ولدك ( قراءة صامتة) لم تدعُ إليها أحدا، فتنهال عليك اللكمات وبذيء الكلمات بعد أن كنتَ كعسل الملكات! وليتك تسلم! إن نظرية ( ابعد عن الشر) و( مالك ومال الناس) والقول المنسوب للإمام علي" من اعتزل الناس سلِم من شرهم" وقول الشافعي" أنِست بوحدتي ولزمتُ بيتي" هي نظرية غير قابلة للتطبيق، وإن طُبّقت فصاحبها ،عندهم، بعير أجرب، أو كالمصاب الأول بالكورونا في ساعة ولادتها الأولى! تصْفحُ عنه مِرارا ، وتتغاضى تكرارا، يسيءُ فتحلُم، يخونُ فتغفر، يشي فتبرّر، ينُمّ فتعفو، يولّي فتدنو، ودون طائل تغني له كلّ يوم أبيات أبي فراس الحمداني : فليتكَ تحلو والحيـــــــــــاةُ مريرةٌ وليتك ترضى والأنام غضابُ وليتَ الذي بيني وبينك عامر وبيني وبينَ العــــــالمينَ خرابُ إذا نلتُ منكَ الودّ فالمالُ هيّنٌ وكلّ الذي فوق التّراب تُرابُ في اعتقادي أخيرا، أنّ العزلة قد تكون وسيلة صحيّة، تبعث على الراحة النفسية، وشحن طاقة الجسم والعقل من جديد للهروب من الضغوط التي تتزايد في عصرنا ، شريطة أن لا تستمر لفترات طويلة ، فالتوازن بين الاختلاط المفيد والوحدة الهادئة هو أساس الصحة النفسية الجيدة. ( وليتك تسلم)!




عدد المشاهدات : (616)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :