رم - ا
طب أم هندسة؟ سؤال قد يظلم المتفوق…الموهبة والقدرات وملاءمة التخصص .. أهم من رقم المعدل
د جمال الدباس
مع كل موسم توجيهي يعود المشهد نفسه: كلما ارتفع معدل الطالب، ارتفعت الأصوات من حوله: طب أم هندسة؟ وكأن التفوق له باب واحد، وكأن الطالب الذي حصل على 99% ثم اختار الفيزياء أو الكهرباء أو الاقتصاد قد تنازل عن تفوقه.
لكن العلم وتجارب الحياة يقولان شيئا مختلفا.
مرت أمامي نماذج كثيرة تستحق التأمل: متفوق دخل تخصصا ثم اكتشف أن طريقه الحقيقي في مجال آخر، وآخر كان من العشره الأوائل لكنه تعثر في دراسة اختارها له معدله أكثر مما اختارتها ميوله وقدراته ومهارته.
كنا سنخسر اقتصاديا متميزا.
وليست هذه مجرد انطباعات شخصية.
هناك واحدة من أطول الدراسات في العالم حول المتفوقين، اسمها دراسة الشباب ذوي التفوق المبكر في المدرسه (SMPY) بدأت عام 1971، وتابعت أكثر من 5000 طفل شديد التفوق عبر مراحل حياتهم لعقود. (Vanderbilt University)
وقدرات استثنائيه مذهله في الرياصيات كذلك
والنتيجة المهمة ليست أن هؤلاء أصبحوا جميعا علماء رياضيات.
على العكس، توزعت مساراتهم بين الهندسة والعلوم والتكنولوجيا والطب والقانون والإدارة والعلوم الاجتماعية وغيرها. وأظهرت الدراسة أن نوع القدرة والميول والفرص التعليمية والعمل الجاد تساعد في تحديد المجال الذي يتألق فيه المتفوق، وليس مستوى الذكاء أو العلامة وحدهما. (Vanderbilt University)
وبعد نحو أربعة عقود، كانت إنجازاتهم لافتة: أساتذة في جامعات بحثية كبرى، وقيادات في شركات عالمية، ومحامون وعلماء ومبتكرون؛ ونشر المشاركون آلاف الأبحاث وحصلوا على مئات براءات الاختراع. (PubMed)
وهناك دراسة أخرى شديدة الدلالة، Illinois Valedictorian Project، تابعت 81 طالبا كانوا في قمة صفوفهم الثانوية. وجد الباحثون أنهم ظلوا في معظمهم ناجحين، لكن حياتهم وتخصصاتهم ومهنهم سلكت طرقا مختلفه.
وهنا تكمن الرسالة التي نحتاجها في الأردن:
قد يكون الطالب الذي حصل على 99% طبيبا عظيما، وهذا رائع إذا كان الطب موهبته ورغبته. لكنه قد يكون أيضا عالم فيزياء، أو مهندس كهرباء، أو خبير ذكاء اصطناعي، أو عالم كيمياء، أو اقتصاديا، أو باحثا يبتكر تقنية تغير حياة الملايين.
الدول لا تتقدم بالأطباء وحدهم. تتقدم بالطبيب والعالم والمهندس والاقتصادي والباحث والمبرمج والفني والمبتكر، وبقدرتها في الاداره وعلى وضع العقل المناسب في المكان الذي يستطيع أن يعطي فيه أفضل ما لديه.
لذلك ربما آن الأوان أن نغير السؤال الذي نوجهه إلى المتفوق.
أين موهبتك؟ ماذا تحب؟ وفي أي مجال تستطيع أن تصبح استثنائيا؟
المعدل يخبرنا كيف كان أداء الطالب في المدرسة… أما الموهبة والشغف والعمل، فقد تخبرنا أين يمكن أن يصل في الحياة