بقلم: د. معن عبد الرحمن العداسي
الأردن، كدولة ونظام وكيان، يمثل حالةً سياسيةً وتاريخيةً تستحق الدراسة والتوثيق بعناية. فهذه الدولة لم تكن نتاج صدفةٍ تاريخية، ولم تنشأ في فراغ، بل جاءت ثمرة مشروعٍ سياسي عربي بدأ مع الثورة العربية الكبرى، التي أطلقها الشريف الحسين بن علي، طيب الله ثراه، عام 1916. ولا شك أن الثورة العربية الكبرى تُعد من أهم المحطات في التاريخ العربي الحديث، رغم استمرار الجدل حولها حتى يومنا هذا.
ويتمحور معظم النقد الموجَّه إليها حول نقطتين أساسيتين: الأولى أنها كانت سببًا في إنهاء الخلافة العثمانية، والثانية أنها تعاونت مع بريطانيا لتحقيق هذا الهدف. غير أن قراءة التاريخ بمعايير السياسة، لا بالعواطف، تقود إلى نتيجة مختلفة. فالدولة العثمانية في سنواتها الأخيرة لم تعد تمثل نموذج الخلافة الإسلامية الراشدة، بل أصبحت دولةً مركزيةً تفرض سيطرتها على شعوب متعددة، من بينها الشعوب العربية، التي لم تكن شريكًا في صنع القرار، بل كانت خاضعة لإرادة الباب العالي. كما كانت بوادر التفكك في المشرق العربي واضحة للعيان. كما أن العلاقات الدولية، قديمًا وحديثًا، تقوم على المصالح والتحالفات. ولم تعرف السياسة يومًا دولةً حققت أهدافها الكبرى في عزلة عن موازين القوى الدولية. ولذلك، فإن التحالف مع بريطانيا، بوصفها القوة العظمى في ذلك الوقت، ينبغي أن يُقرأ في سياقه السياسي، لا باعتباره قضيةً أخلاقيةً مجردة. ومن المهم التذكير بأن الشريف الحسين بن علي، رحمه الله، لم يكن بحاجة إلى سلطة أو منصب. فقد كان شريف مكة والحجاز، أقدس بقعة إسلامية في العالم، ويتمتع بمكانة دينية وسياسية رفيعة داخل الدولة العثمانية.
وكان بإمكانه الحفاظ على تلك المكانة حتى نهاية حياته، لكنه اختار مشروعًا أكبر تمثل في السعي إلى تحرير المشرق العربي وإقامة كيان عربي مستقل، وذلك بالتنسيق مع الزعماء العرب في المشرق، من خلال نجليه المغفور لهما فيصل وعبدالله..
ومن هنا، فإن الثورة العربية الكبرى لم تكن مشروعًا عائليًا أو مغامرة سياسية، بل جاءت استجابةً لتطلعات شريحة واسعة من النخب العربية في المشرق، التي كانت ترى أن مستقبل العرب لا يمكن أن يبقى رهينًا لسلطة مركزية آخذة في التراجع وعندما أخلفت بريطانيا وعودها، لم يستسلم الهاشميون للواقع الجديد، ولم يكتفوا بإلقاء اللوم على الآخرين، و لم يغرقوا في خطاب المظلومية بل تعاملوا مع الوقائع الجديدة بعقلية رجل الدولة. فأعادوا قراءة المشهد السياسي بمنهج واقعي وبراغماتي.
ومن هنا جاءت ولادة كيانات عربية حديثة، كان في مقدمتها الأردن والعراق، كما كان للملك فيصل الأول دور محوري في سوريا قبل انتقاله إلى العراق. وفي الأردن، جسّد الملك عبدالله الأول، رحمه الله، مدرسة سياسية تقوم على الواقعية لا الانفعال. فقد أدرك أن السياسة ليست فن الأمنيات، ولا إدارة الشعارات، بل هي فن الممكن، والقدرة على تحقيق أكبر قدر من المصالح الوطنية في ظل الظروف القائمة. وتكشف قراءة مسيرته السياسية أنه امتلك رؤية استراتيجية بعيدة المدى تجاه مستقبل المنطقة، وفي القلب منها القضية الفلسطينية.
ورغم أن الظروف الدولية والإقليمية حالت دون اكتمال تلك الرؤية، فإنها كانت تعكس فهمًا عميقًا لطبيعة الصراع، حتى دفع حياته ثمنًا لمواقفه السياسية ومن المرجح أن تطبيق هذه الرؤية كان سيقود إلى نتائج مختلفة عمّا آلت إليه القضية الفلسطينية لاحقًا. ومن أكثر ما يلفت الانتباه في المدرسة الهاشمية قدرتها على التكيف مع المتغيرات و التحولات الكبرى فعندما انتقل الحكم في الحجاز إلى الدولة السعودية الناشئة، لم تدخل الأسرة الهاشمية في صراع تاريخي مفتوح، ولم تحوّل القضية إلى نزاع دائم حول “الحق التاريخي”، ولم تجعل من الماضي عقبة أمام المستقبل، بل تعاملت مع الواقع الجديد بعقلانية، وهو ما أسهم لاحقًا في بناء علاقات مستقرة ومتميزة بين المملكتين الأردنية والسعودية.
وتأسست الدولة الأردنية الحديثة على مرحلتين واضحتين: إعلان إمارة شرق الأردن عام 1921، ثم إعلان الاستقلال الكامل وقيام المملكة الأردنية الهاشمية عام 1946. ولهذا، فإن وصف الأردن بأنه “كيان مصطنع” يفتقر إلى الدقة التاريخية. فمعظم دول المنطقة، بما فيها سوريا والعراق ولبنان والسعودية ودول الخليج، تشكلت بصورتها السياسية الحديثة خلال الحقبة ذاتها، رغم امتلاكها جميعًا امتدادات حضارية وتاريخية عريقة أما الأردن، بوصفه أرضًا وشعبًا وكيانًا، فهو جزء أصيل من تاريخ هذه المنطقة منذ آلاف السنين.
وما تغير عبر الزمن هو شكل الدولة وحدودها ونظامها السياسي، وهي ظاهرة عرفتها جميع الأمم، بما فيها الدول الأوروبية الكبرى. كذلك، فإن استقلال الدول لا يُقاس بمدى خصومتها مع الآخرين، بل بقدرتها على اتخاذ قراراتها الوطنية بحرية، وبناء علاقات متوازنة تحقق مصالحها العليا. فالاستقلال الحقيقي لا يعني العزلة، بل يعني امتلاك القرار الوطني مع الانفتاح على العالم وفقًا للمصلحة الوطنية.
ومن الإنصاف القول إن الأردن لم يكن يومًا سببًا في أزمات الأمة العربية، بل دفع، على امتداد تاريخه، أثمانًا سياسيةً واقتصاديةً وأمنيةً باهظة نتيجة اضطرابات المنطقة وسياسات كثير من الأنظمة العربية التي غلّبت الشعارات على الواقعية. كما تحمّل اللوم والعتاب عن أزمات ومآسٍ لم يكن طرفًا فيها، بل كان، في كثير من الأحيان، أول المتضررين منها، كما حدث في حرب عام 1967.
وهنا تتجلى خصوصية المدرسة الهاشمية الأردنية؛ فهي لم تُبنَ على الخطابات الحماسية، ولا على المزايدات السياسية، بل على قراءة دقيقة للواقع، وإدارة متوازنة للأزمات، وإيمان بأن بقاء الدولة واستقرارها هو الشرط الأول لأي مشروع وطني أو قومي وبفضل المدرسة الهاشمية الأردنية و التي تعتمد علي الواقعية السياسية، لا الشعارات، استطاع الأردن، رغم محدودية موارده وكثرة التحديات التي واجهها، أن يحافظ على استقراره ومؤسساته، وأن يبني نموذجًا للدولة القائمة على الاعتدال، وسيادة القانون، واستمرارية المؤسسات، وهو ما عجزت عن تحقيقه دول تمتلك موارد وإمكانات تفوقه بكثير.
وفي النهاية، يبقى الأردن وطنًا جامعًا لكل أبنائه، لا فضل فيه لمكوّن على آخر، ولا يحق لأحد أن يمنّ على الوطن بعطائه؛ فالمواطنة مسؤولية قبل أن تكون حقًا، وخدمة الأردن واجب يتساوى فيه الجميع. فالأردن ليس مجرد حدود على الخريطة، بل دولة تستحق الاحترام والدراسة، لأنها أثبتت، عبر أكثر من قرن، أن الواقعية السياسية قادرة على بناء الأوطان، بينما تعجز الشعارات وحدها عن تحقيق ذلك و لهذا المدرسة الهاشمية الأردنية ليست مجرد قصة نجاح وطنية، بل نموذج سياسي عربي يستحق أن يُقرأ بعين الباحث، لا بعين صاحب الموقف المسبق المعتمد علي الشعارات
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |