رم - الدكتور نسيم أبو خضير
ليسَ من السَّهْلِ أنْ تَجِدَ في زَمَنِنا شَخْصِيَّةً اجْتَمَعَ لَها شَرَفُ النَّسَبِ ، وَعُمْقُ العِلْمِ ، وَرُقِيُّ الفِكْرِ ، وَسُمُوُّ الأَخْلاقِ ، وَهَيْبَةُ الحُضُورِ ، وَالتَّوَاضُعُ الَّذِي يَزِيدُ صَاحِبَهُ رِفْعَةً ، كَما اجْتَمَعَتْ في سُمُوِّ الأَمِيرِ غَازِي بْنِ مُحَمَّدٍ ، أَحَدِ أَبْرَزِ رِجالاتِ الأُرْدُنِّ ، وَمِنْ أَجَلِّ قَامَاتِهِ الفِكْرِيَّةِ ، وَأَحَدِ أَنْبَلِ أَبْنَاءِ البَيْتِ الهَاشِمِيِّ الَّذِي حَمَلَ رِسَالَةَ الإِنْسَانِيَّةِ وَالإعْتِدَالِ عَلَى مَدَى أَجْيَالٍ .
إنَّ سُمُوَّهُ لَمْ يَجْعَلْ مِنْ لَقَبِهِ الأَمِيرِيِّ مِظَلَّةً لِلشُّهْرَةِ ، وَلَا مِنْ انْتِسَابِهِ إِلَى الدَّوْحَةِ الهَاشِمِيَّةِ سُلَّمًا لِلظُّهُورِ ، بَلْ إخْتَارَ أَنْ يَصْنَعَ مَجْدَهُ بِالعِلْمِ ، وَأَنْ يَبْنِيَ مَكَانَتَهُ بِالفِكْرِ ، وَأَنْ يَكْتُبَ اسْمَهُ بِمِدَادِ المَعْرِفَةِ وَالعَطَاءِ ، حَتَّى غَدَا إسْمُهُ مُرَادِفًا لِلرَّصَانَةِ العِلْمِيَّةِ ، وَالحِكْمَةِ السِّيَاسِيَّةِ ، وَالعَقْلِ المُتَّزِنِ .
لقد أدركَ الأميرُ غازي مُبكِّرًا أنَّ الأُمَمَ لا تُبنى بالشِّعاراتِ ، وإنَّما تُبنى بالعُقولِ ، وأنَّ الحِوارَ أَقْوَى مِنَ الصِّدامِ ، وأنَّ الكَلِمَةَ الصَّادِقَةَ أَبْقَى أَثَرًا مِنْ ضَجِيجِ الخِطاباتِ ، فَانْصَرَفَ إلى العِلْمِ بَاحِثًا ، وَإِلَى الفِكْرِ مُؤَلِّفًا ، وَإِلَى الثَّقافَةِ رَاعِيًا ، حَتَّى أَصْبَحَ مَرْجِعًا فِي الدِّرَاسَاتِ الإِسْلَامِيَّةِ ، وَالحِوَارِ بَيْنَ الأَدْيَانِ ، وَالفَلْسَفَةِ ، وَالفِكْرِ الإِنْسَانِيِّ.
وَمَا أَحْوَجَ عَالَمَنَا الْيَوْمَ إِلَى أَمْثَالِ هَذِهِ القَامَاتِ الَّتِي تُخَاطِبُ العُقُولَ قَبْلَ العَوَاطِفِ ، وَتُقَدِّمُ الحُجَّةَ قَبْلَ الشِّعَارِ ، وَتَنْشُرُ النُّورَ حَيْثُ يَتَكَاثَفُ ظَلَامُ الجَهْلِ وَالتَّعَصُّبِ .
لقد كانَ سُمُوُّهُ مِنْ أَبْرَزِ الأَصْوَاتِ الَّتِي دَافَعَتْ عَنِ الإِسْلَامِ بِالعِلْمِ لا بِالإنْفِعَالِ ، وَبِالمَنْطِقِ لا بِالصَّخَبِ ، وَأَظْهَرَ لِلْعَالَمِ وَجْهَ الإِسْلَامِ الحَقِيقِيَّ ، وَجْهَ الرَّحْمَةِ وَالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَالتَّعَايُشِ ، فَأَطْلَقَ وَسَاهَمَ فِي مَبَادَرَاتٍ فِكْرِيَّةٍ عَالَمِيَّةٍ أَصْبَحَتْ مَرَاجِعَ لِلْحِوَارِ وَالتَّفَاهُمِ بَيْنَ الشُّعُوبِ وَالأَدْيَانِ .
ولأنَّهُ إبنُ المدرسةِ الهاشميَّةِ ، فقد ظلَّ وفيًّا لنهجِها القائمِ على الإعتدال ِ ، وخدمةِ الإنسانِ ، وصونِ الكرامةِ الإنسانيَّةِ ، والدفاعِ عن القُدسِ الشريفِ ، وحمايةِ المقدساتِ الإسلاميَّةِ والمسيحيَّةِ ، إيمانًا بأنَّ الوصايةَ الهاشميَّةَ ليست مسؤوليةً سياسيَّةً فحسبُ ، بل رسالةٌ تأريخية َّةٌ وأمانةٌ حضاريَّةٌ .
وفي الحياةِ العامَّةِ ، عُرِفَ الأميرُ غازي بنُ محمدٍ بهدوئِهِ ، وإتِّزانِهِ ، وبُعدِهِ عن الضجيجِ ، فلم يكنْ يومًا من الباحثينَ عن الأضواءِ ، لأنَّ أصحابَ الرسالاتِ لا تُغريهمُ الأضواءُ ، بل يُغريهمُ الأثرُ الباقي . ولذلكَ ظلَّ يعملُ في صمتٍ ، ويُنجزُ بإخلاصٍ ، ويُقدِّمُ للوطنِ والأمَّةِ خلاصةَ علمِهِ وتجربتِهِ ، دونَ أنْ ينتظرَ ثناءً أو تصفيقًا .
وإلى جانبِ دورِهِ الفكريِّ ، كانَ سُمُوُّهُ خيرَ مُعينٍ لجلالةِ الملكِ عبدِ اللهِ الثاني ابنِ الحسينِ ، حفظهُ اللهُ ورعاهُ ، في حملِ رسالةِ الأردنِّ القائمةِ على الحكمةِ والإعتدال والإنفتاحِ ، وكانَ صوتًا عاقلًا يُحسنُ مخاطبةَ العالمِ بلغةٍ يفهمُها الجميعُ ، ويُجسِّدُ الصورةَ الحضاريَّةَ للأردنِّ ، وطنِ التَّسامحِ والإعتدال ِ.
إنَّ العظماءَ لا تُقاسُ مكانتُهم بما يملكونَ ، بل بما يُقدِّمونَ ، ولا بما يُقالُ عنهم ، بل بما يتركونَهُ من أثرٍ في العقولِ والقلوبِ .
ومن هذا المنطلقِ ، فإنَّ الأميرَ غازي بنَ محمدٍ ليس مجرَّدَ شخصيةٍ عامةٍ ، بل مدرسةٌ في الفكرِ ، ومنارةٌ في الإعتدال ِ ، ونموذجٌ للإنسانِ الذي جمعَ بينَ العلمِ والعملِ ، وبينَ المكانةِ والتواضعِ ، وبينَ القيادةِ والأخلاقِ .
سيبقى سُمُوُّ الأميرِ غازي بنُ محمدٍ واحدًا من الوجوهِ المشرقةِ التي يعتزُّ بها الأردنُّ ، وقامةً فكريَّةً تُشرِّفُ الأمَّةَ العربيَّةَ والإسلاميَّةَ ، ورمزًا من رموزِ المدرسةِ الهاشميَّةِ التي جعلتْ من العلمِ رسالةً ، ومن الحكمةِ منهجًا ، ومن خدمةِ الإنسانِ غايةً لا تحيدُ عنها .
حفظَ اللهُ سُمُوَّ الأميرِ غازي بنَ محمدٍ ، وأدامَ عليهِ موفورَ الصحَّةِ والعافيةِ ، وجزاهُ عن الأردنِّ ، وعن الأمَّتَيْنِ العربيَّةِ والإسلاميَّةِ خيرَ الجزاءِ ، ليبقى فكرُهُ منارةً ، وعلمُهُ هدايةً ، وعطاؤُهُ شاهدًا على أنَّ الرجالَ العظماءَ يخلِّدُهمُ ما قدَّموهُ لأوطانِهم وللإنسانيَّةِ .