أ.د طارق عبد القادر المجالي
هل باتت نظريّة المُؤامرة في واقعنا العربيّ اليوم حقيقة علميّة نعزو إليها كثيرا من الأحداث والقضايا السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والثقافيّة ومُعظم إخفاقاتنا المعاصرة على الصُّعد كافّة؟ أمْ أنّها وهمٌ وتوهُّمٌ متخيلٌ حينَ لا نجدُ تفسيرا منطقيّا وعجزا ونُكوصا عن مواجهة الأخطار المُحدقةِ بِنا فنختارُ أسهلَ الطُّرق وأيسرها لتفسير الأحداث، وتحليل القضايا الكبرى على أنّها مُؤامرة كبرى تستهدفُ الأمّة كيانا وحضارة؟ وَوَفْقَ الموسوعة البريطانيّة فإنّ نظريّة المُؤامرة هي محاولةٌ لتفسير حَدثٍ ضارِّ أو مأساوي على أنّه نتيجة أنشطة سريّة تُديرها جماعةٌ صغيرة لكنّها نافذة، وترفض هذه النظريات الرواية الرسميّة للأحداث، ولهذا يبقى المجتمع بأسرهِ مُتأرجحا أمام الأحداث والقضايا أيّا كانت طبيعتها وآثارها بين ما تُصرح به البيانات الرسميّة التي تتبناها الحكومات، ونظرية المؤامرة التي يتبناها عامّة المجتمع، مؤمنين بها إيمانا مُطلقا.
إنّ فقدان السّيطرة عند أفراد المجتمع الواحد في حالة عدم استيعاب الأحداث والأزمات، والعجز الكامل والمُطلق عن تفسير منطقي للحدث، وما يرافقه من قلقِ اجتماعيّ يُهدد واقعهم ومستقبلهم يضطرّهم إلى أن يجدوا مخرجا مريحا وممهدا ورضًا سيكولوجيّا يُعيد إليهم توازنهم النفسيّ ويُبدد قلقهم وخوفهم المشروع. ليس أسهل، لدى أنصار نظريّة المؤامرة، من تبسيط العالم وتفسيره بإجابات سهلة عمّا يجري من أحداث مُعقدة، وتقسيم العالم إلى قوى شريرة، تسعى إلى الهيمنة بأشكالها، وقد يكون هذا صحيحا وواقعا مشاهدا اليوم، وقوى خيِّرة تبحث عن الأمن والاستقرار ، لكنّ الخطرَ الماثل هنا هو أنْ نربطَ كلّ الشّرور وآثام الدّول ،ومخططاتهم التوسعيّة في الهيمنة بمصدر واحد وَفق النظرية، وكفى الله المؤمنين القتال! أيْ بمعنى أن نُعطِّل العقل، وأنْ نهدم أركان نظريّة العمل وأعمدة الفعل, والركون إلى نظريّة المؤامرة والاستسلام لها.
إنّ الشّواهد على هذه النظرية كثيرة، ليس في عالمنا العربي وحسب، بل في العالم، ففي أمريكا من يؤمن بعلم الماورائيات وبالصّراصير والزواحف الفضائيّة التي تسيطر على بني الإنسان وتقيِّد حركتهم، ومن الناس من بات أشدّ اقتناعا بأن الأرض مسطحة لا تدور، ونسمع عمّن ينفي الصعود إلى القمر، وأن شبكة الانترنت قد تحولت إلى روبوتات ضخمة تتحكم بشبكات الاتصال، ومنهم من يرى أن فيروس كورونا هو مؤامرة كبرى للقضاء على العالم، وأنّ بلكيتس يعرف عنّا أكثر مما نعرفه عن أنفسنا.
أصبحت نظرية المؤامرة ماثلة حاضرة جاهزة ومناسبة لكل مناحي الحياة؛ في خسارة المنتخب المصري، وفوز الأرجنتين، وسياسة الفيفا، كما دخل عنصر المؤامرة في المساعدات والمنح الأجنبية وفي القمح وفي المناهج الدراسيّة وسياسات التعليم ونظام التغذية المدرسية ،وتعليم اللغات الأجنبيّة، في خطب الجمعة، ومكبرات الصوت... فهل حقا هذا العصر هو عصر المؤامرات؟ كما لم تقتصر آثار هذه المؤامرة على الحاضر، بل إنهم عادوا إلى التاريخ ليفسروا كيف حرق (نيرون) روما بفعل المؤامرة، وفي التاريخ الإسلامي كثير من شواهد المؤامرة كالفتنة الكبرى بين الصحابة ،وحروب الردة، المؤامرة جاهزة في حرب تشرين وفي 67 و7أكتوبر والفتن الطائفية وغيرها الكثير من المشاهدات في الاتجاهات جميعا : في السياسة والفن والثقافة وظهور بعض المعارضين والموالين ومشاهير الميديا! الإحساس بتفوق الآخر المختلف معك، والاستسلام إلى هذه النظرية التي تتبناها وتشجعها كثير من الحكومات العاجزة وغير القادرة على الإنجاز الفعلي والنهوض بمجتمعاتها هي فكرة محببة وغاية تصبّ في مصلحتها وإقناع الأفراد بأن ليس بالإمكان أفضل مِمّا كان .
وأننا أمام مخاطر داخلية وخارجية تستهدفنا واختراع أعداء وهميين يحاولون النيل منا صباح مساء، وأن لا همّ لهم إلا نحن! فهل حقا أصبحت نظرية المؤامرة أفيون الشعوب، وأنّها العلاج الوهمي الوحيد لِما تقاسيه المجتمعات من نكوص وارتكاس وتعطيل للعقل وتبديد للثروات والجهود وعدم استغلال للطاقات والإمكانات؟!
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |