ضجيج الحاضر ووقار الصمت


رم -

ضجيجُ الحاضِر ووقار الصّمتِ لقد تجاوز ضجيجُ الحاضر حواسَنا الخمس، بعد أن فتكَ بأسنانه الحادّة بالأذنِ والعين والأنف، وأفقدنا طعمَ الأشياء والملامسَ المختلفة ، فصار الضّجيج الخارجيّ، بأشكاله وتشكلاته المتباينة، عنوانا رئيسا، بل سمةً أساسيّة من سمات هذا العصر فحيثما التفتّ ليس أمامك إلا الضّجيج، وأنّى توجّهت فثمةَ ضوضاء: أبواق السيارات، صخب الشارع، صياح المكبرات، جلبة سكان البنايات، وجلبة صراخ بائعي الفواكه والخضراوات، وزعيق صالات الأفراح، وفوضى الشّاشات والإلكترونيات والاتصالات... الكلمة ذاتُها( ضجيج) توحي بالتوتر، فيما لو حلّلنا حروفها على المستوى الصوتيّ؛ في هذه الضّاد المُفخّمة المُطبقة التي تُعطي إحساسا بالثقل والامتلاء، يتبعها حرف(الجيم) المُقلِقة بتكرارها وارتدادها وصداها، وفي هذا المَد الذي يُطيل الصّوت ويجعل ضجيجه مستمرا.

 

إنّ الفرد بين ضجيجين: أحدهما خارجيّ ،كما أسلفت، أمّا الآخر، فهو أصعب أطوار الضجيج وأشده فتكا وتحكما؛ لأنّه ضجيجٌ داخليّ يتناسب طرديّا مع الضّجيج الخارجيّ، ليتحول الإنسان معه إلى شخص مضطرب مُشتّت الانتباه وفاقدِ إلى السّكينة، إنّه مرضٌ نفسيٌّ بِجسدِ مُنهك، وذاكرة مُمتلئة بفوضى (لاخلاقة) لنفاذه من الخارج إلى الداخل بتأثير البيئة المحيطة التي بدورها تهدد الاستقرار النفسي أفرادا وجماعاتِ.

أينَ دورُ وزارات التّوجيه الإعلامي والجهات المعنية كالتربية والإعلام والثقافة والأوقاف والشباب والاتصال الرقمي والداخلية لمواجهة هذا التيار الجارف من الضجيج والتلوث بأنواعه؟ وهل باتت عاجزة عن التّصدي لهذه الثرثرة المجانيّة، مدفوعة الأجر، على شبكات التواصل ؟ أليس باستطاعتها أنْ تُرشِدَ وتُرشِّد وتُخفف على الأقل من غلواء هذا الضجيج الاجتماعي وأل( بثوثات) المُطوّلة التي تجلدُ الأسماعَ في الأعراس والجاهات والعطوات ناهيك عن المناسبات العامّة، وما تفرضه على السّامعين المُستسلمينَ لخطباء وشعراء (نُصْ كُم) بما أنها ( فرصة ولاحت) لهم لممارسة عضلاتهم الخطابيّة ! في زحمة الأصوات العالية يبقى الصّمت هو أقوى صرخة للبحث عن الذات والسّلام الداخلي، فالهدوء لم يَعُدْ مُجردَ حاجةِ، بل صار حالةً ينبغي على الفرد أنْ يَعيشها بكلّ تفاصيلها كي يتنفّسَ بعيدا عن الصّخب الاجتماعيّ، ويمتلئَ بالسَّلام .

 

وإنّ موضوعة (التّأمل) في عالم الصّخب يُعدُّ حاجةً مُلحّة لتصفية الذّهن وإفساح المجال أمام صوت الرُّوح! ويُعلّل علمُ النفس الاجتماعي الرغبة المُستمرة في إثارة الضّوضاء، أو لفت الانتباه إلى أنّها تعكسُ غالبًا حاجةً داخليّة للتّعويض عن النّقص أو بسبب هشاشة نفسيّة ما. إنّ رغبة الإنسان في التّخفيف من الضّجة الداخليّة هي في مدى نُضجه العقليّ الذي يُهيئ له فضاء مُمتدّا نحو الهدوء، ويُفضي به إلى مساحة واسعة للتأمل الخلاّق، ففي الصمت صوتٌ أبلغ من الضّجيج . وصدقَ أحدُ الفلاسفة حين قال:" كُلّما ارتقى عقلُ الإنسان قلّت رغبته في الضّجيج"




عدد المشاهدات : (804)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :