د . مهدي مبارك عبد الله
في خطوة سياسية حملت دلالات تتجاوز بعدها الإداري أعلنت حركة حماس حل لجنة متابعة العمل الحكومي التي أدارت قطاع غزة منذ نحو عقدين تمهيداً لنقل مسؤوليات الإدارة المدنية إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة شكل الإعلان واستقالة رئيسها في السادس من يوليو تموز وقد اعتبر البعض ان هذه الخطوة السياسية والإدارية تهدف الى ما هو ابعد من مسالة الحدود وإعادة ترتيب المؤسسات المدنية خاصة حيث تأتي في لحظة مفصلية يعيش فيها القطاع تداعيات حرب مدمرة وتواجه فيها الأطراف الفلسطينية والإقليمية والدولية سؤالاً مركزياً حول شكل الحكم والإدارة في غزة ما بعد الحرب.
عمليا لا يمكن قراءة هذه الخطوة باعتبارها مجرد إجراء إداري محض يتعلق بحل لجنة حكومية أو نقل صلاحيات بين مؤسسات مدنية وهي تعكسفي جوهرها تحولاً في موقع حركة حماس داخل المعادلة السياسية ومحاولة لإعادة تعريف دورها في المرحلة القادمة بعدما أصبح القطاع مدمر ومحاصر ومثقل بالأزمات الإنسانية والاعباء السياسية والاقتصادية والأمنية بالغة الصعوبة.
لقد أدركت قيادة حركة حماس بوعي لافت أن استمرارها في واجهة الإدارة المدنية في ظل هذا الواقع قد يجعلها الطرف الذي يتحمل مسؤولية الخدمات والدمار والأزمات اليومية ولذلك جاء قرار حل لجنتها الحكومية باعتباره انتقالاً من موقع الإدارة التنفيذية المباشرة إلى موقع سياسي مختلف يسمح لها بالحفاظ على حضورها داخل المشهد الفلسطيني مع ترك مسؤولية إدارة الشؤون المدنية لهيئة فلسطينية انتقالية من أصحاب الاختصاص والكفاءات.
المعطيات الواقعية المرتبطة بعملية الحل تؤكد أن الخطوة لم تتم بصورة فوضوية أو نتيجة فراغ إداري كما انها جاءت ضمن ترتيبات قانونية وإدارية هدفت إلى ضمان استمرار عمل المؤسسات العامة ونقل الصلاحيات بطريقة منظمة حيث استمرت الكوادر المدنية والفنية في أداء مهامها باعتبارهم موظفي دولة منعاً لتعطل الخدمات الأساسية وحفاظاً على مبدأ استمرارية المرافق العامة خلال المرحلة الانتقالية.
من هذه الزاوية نلاحظ إن حل لجنة متابعة العمل الحكومي يمثل محاولة لإعادة ترتيب العلاقة بين الإدارة والسياسة وهذا لا يعني بالضرورة اختفاء حماس من المشهد الفلسطيني ولا هي بالقطع نهاية لدورها التنظيمي والسياسي وإنما ذلك يعني تخليها عن إدارة الملفات المدنية اليومية التي أصبحت في ظل الحرب مسؤولية شديدة الكلفة والتوجه والانخراط في معركة أوسع تتعلق بمستقبل النظام السياسي في غزة وموقع الحركة ومكانتها داخله.
الخطوة بكل تفاصيلها حملت رسالة واضحة إلى الأطراف الدولية والإقليمية مفادها أن حماس لا تريد أن تكون العقبة أمام ترتيبات اليوم التالي وأنها مستعدة لتسليم إدارة الشؤون المدنية إلى لجنة فلسطينية توافقية بعيداً عن الانتماء الحزبي المباشر وهو التكتيك الذي يهدف إلى نزع الذرائع التي تستخدمها إسرائيل لربط الأزمة الإنسانية ببقاء إدارة تتبع لحماس.
إسرائيل بدورها تعاملت مع القرار بمنتهى الشك والريبة والاساءة حيث رفضت اعتباره تحولاً حقيقياً لأن القضية الأساسية في تفسيرها لا تتعلق بشكل الإدارة المدنية وإنما بوجود القوة العسكرية لحماس وبقاء سلاحها داخل القطاع ولذلك ما زالت تتمسك بأن أي ترتيبات مستقبلية يجب أن تبدأ من إنهاء القدرة العسكرية للحركة قبل الانتقال إلى أي صيغة سياسية أو إدارية جديدة.
هنا ظهرت العقدة الأساسية في معركة اليوم التالي سيما وان الصراع لم يعد فقط حول من يدير الوزارات والمؤسسات المدنية وإنما حول من يملك القرار الأمني والسياسي في غزة ومن يحدد شكل النظام القادم وهل ستكون الإدارة الجديدة جزءاً من مشروع فلسطيني وطني أوسع ومتكامل أم ما يجري مجرد ترتيبات مؤقتة تخضع للرقابة الخارجية.
اللجنة الوطنية لإدارة غزة برئاسة علي شعث جاءت في قلب هذه المعادلة المتشابكة وهي تمتلك وفق الترتيبات المعلنة صلاحية إدارة المرحلة الانتقالية المدنية لكنها في الواقع تواجه اختباراً حقيقياً يتعلق بقدرتها على ممارسة عملها على الأرض في ظل استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي والخلافات حول الملفات الأمنية والموظفين وإعادة الإعمار وغيرها.
المشكلة الأساسية أمام اللجنة الوطنية تكمن في أن تشكيلها وحده لا يكفي لتحقيق النجاح خاصة وان الإدارة الفاعلة تحتاج إلى بيئة سياسية وأمنية تسمح لها بالعمل وتمتلك فيها صلاحيات حقيقية بعيداً عن القيود المفروضة عليها لأن أي لجنة لا تستطيع الوصول إلى القطاع أو ممارسة سلطاتها ستتحول إلى مجرد عنوان إداري بلا قدرة فعلية على تغيير الواقع. كما أن ملف الموظفين الذين عملوا خلال السنوات الماضية في مؤسسات حكومة غزة يبرز كأحد أكثر الملفات حساسية في المرحلة القادمة إذ إن تجاهل هذا الواقع قد يؤدي إلى أزمة اجتماعية وإدارية جديدة بينما يحتاج التعامل معه إلى صيغة انتقالية تقوم على الحفاظ على الخبرات المدنية وإعادة تنظيم المؤسسات بعيداً عن سياسة الإقصاء الشامل.
على جانب اخر لا زالت الولايات المتحدة ومجلس السلام الخاص بغزة يواجهان بدورهما اختباراً عملياً بعد إعلان حماس إنهاء دورها الإداري وان المرحلة القادمة لن تقاس بالبيانات السياسية وإنما بقدرة جميع الأطراف الراعية على تمكين اللجنة الوطنية من دخول القطاع وممارسة صلاحياتها وتحويل التفاهمات المعلنة إلى واقع سياسي وإداري ملموس.
الموقف الإسرائيلي الرافض لدخول اللجنة الوطنية رغم حصولها على قبول أمريكي ودولي يكشف من جديد عن إشكالية أعمق في طبيعة الخلاف والسؤال لم يعد فقط هل تقبل إسرائيل بإنهاء إدارة حماس المدنية وإنما هل تقبل بقيام إدارة فلسطينية قادرة على امتلاك دور سياسي حقيقي في غزة ضمن صيغة لا تتطابق بالكامل مع رؤيتها الأمنية والاحتلالية.
التعنت الإسرائيلي في منع اللجنة من مباشرة عملها يضعف رواية تل ابيب التي تربط الأزمة فقط بوجود حكومة حماس في غزة لأن حل اللجنة تم فعلاً ونقلت الملفات المدنية إلى جهة أخرى ومع ذلك بقي الخلاف قائماً حول شكل السلطة القادمة وطبيعة الدور الفلسطيني المقبول في مستقبل القطاع.
النظرة الاستراتيجية لقرار حماس تعكس محاولة جريئة للتكيف مع مرحلة جديدة تختلف عن مرحلة ما كان قبل الحرب خصوصا وان الحركة تدرك اليوم اكثر بأن نموذج الإدارة الذي استمر منذ عام 2007 لم يعد قابلاً للاستمرار في ظل المتغيرات الحالية داخل القطاع والاقليم ولذلك تسعى إلى إعادة صياغة حضورها بحيث تنتقل من إدارة السلطة اليومية إلى التأثير في القرار السياسي الفلسطيني القاد. وهذه التطورات تفتح الباب أمام عدة سيناريوهات أولها الوصول الى نجاح انتقال تدريجي تتولى خلاله اللجنة الوطنية إدارة الشؤون المدنية بدعم عربي ودولي مع بقاء الملفات السياسية والأمنية قيد التفاوض وهذا السيناريو قد يفتح الطريق ايضا أمام إعادة الإعمار وبناء مرحلة فلسطينية جديدة لكنه في ذات الوقت يحتاج إلى تفاهمات صعبة حول السلاح والانسحاب الإسرائيلي. أما السيناريو الثاني فهو استمرار حالة الجمود بحيث تتحول عملية حل اللجنة إلى خطوة رمزية خاصة إذا بقيت إسرائيل ترفض الترتيبات الجديدة واستمر الخلاف حول السلاح والوجود العسكري عندها قد تجد غزة نفسها أمام إدارة انتقالية محدودة الصلاحيات لا تستطيع تجاوز الواقع القائم. يبقى السيناريو الثالث والاخير مرتبطاً بإمكانية إعادة دمج حماس داخل إطار سياسي فلسطيني أوسع بحيث تنتقل من موقع السلطة التنفيذية المباشرة إلى موقع الفاعل السياسي المؤثر ضمن نظام فلسطيني جديد يقوم على الشراكة الوطنية وليس التهميش والإقصاء وهو احتمال يعتمد على طبيعة الضمانات التي ستقدم للحركة وعلى قدرة الأطراف المختلفة على إنتاج تسوية واقعية.
مرة اخرى نؤكد إن حل لجنة متابعة العمل الحكومي في غزة لا يمثل نهاية دور حماس ولا نهاية الصراع حول مستقبل القطاع بل يمثل بداية مرحلة جديدة تنتقل فيها المعركة من سؤال من يدير المؤسسات إلى سؤال من يملك القرار السياسي والأمني في غزة بعد الحرب وإن الاختبار الحقيقي لهذه الخطوة لن يكون في إعلان الحل بحد ذاته وإنما في قدرة الأطراف الفلسطينية والدولية على تحويله إلى انتقال حقيقي يضمن إعادة الإعمار ويحافظ على وحدة القرار الفلسطيني ويمنع تحويل غزة من جديد إلى ساحة صراع مفتوح بين مشاريع متعددة.
في الختام : ان معركة اليوم التالي قد بدأت فعلياً وهي لا تدور فقط حول إدارة غزة وإنما حول مستقبلها السياسي ومن يملك الحق في رسم ملامح المرحلة القادمة ولذلك فإن إعادة تموضع حماس لن تكون نهاية الصراع بل بداية فصل جديد أكثر تعقيداً في معركة الشرعية والنفوذ ومستقبل القضية الفلسطينية في واقع صعب التنبؤ بمالاته سواء بالانتقال الحقيقي في بنية الحكم او إعادة توزيع للأدوار داخل معركة قد تكون أكبر على مستقبل غزة. كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية [email protected]
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |