رم - *بقلم عمر الدريني*
ليست كل الخسائر أموالاً، وليست كل السرقات تُرتكب في الظلام، فثمة خسائر لا تُسجَّل في دفاتر الحسابات، وسرقات لا تمر عبر محاضر الضبط، لكنها تترك جراحاً عميقة في النفوس، وتقتطع شيئاً من كرامة الإنسان وثقته بعدالة مجتمعه ومؤسساته.
إنها تلك اللحظات التي يقف فيها صاحب الحق متسائلاً في صمتٍ موجع: *هل أصبح الوصول إلى حقي يحتاج إلى ثمنٍ آخر غير الذي نص عليه القانون؟*
فالمواطن البسيط حين يطرق باب دائرة حكومية، لا يأتي طالب امتياز، ولا متسول معروف، بل يأتي حاملاً حقاً مشروعاً، آملاً أن يجد نظاماً عادلاً يُنصفه دون وساطة أو استثناء. غير أن المأساة تبدأ حين يكتشف أن الطريق المستقيم لم يعد دائماً الأقصر، وأن بعض الأبواب تُفتح بسرعة لمن يملك مفاتيح غير مرئية، بينما يظل الآخرون أسرى الانتظار الطويل.
في أحد الممرات، جلس رجل طاعن في السن أنهكه المرض والتعب، ينتظر منذ ساعات طويلة دون أن يدري متى يأتي دوره. لم يكن يطلب أكثر من توقيعٍ يُنهي معاملة أفنى عمره في استحقاقها، وبينما كان يراقب الوجوه التي تمر بسرعة غير مفهومة، همس له أحد الواقفين:
*"بعض الأبواب لها مفاتيح لا تُكتب في التعليمات."*
ابتسم الشيخ بمرارة، وأطرق رأسه، ليس لأن معاملته تأخرت، بل لأن شيئاً في داخله شعر بأن الكرامة تُختبر بصمتٍ قاسٍ.
وفي زاوية أخرى، كانت أم تحمل طفلها الذي أنهكه البكاء والتعب، تتنقل بين نافذة وأخرى، ومن مكتب إلى آخر، حتى خُيّل إليها أن حاجتها الإنسانية أصبحت عبئاً لا يُرى، وأن الألم وحده لا يكفي لتحريك الإجراءات.
أما الشاب الذي نشأ مؤمناً بأن الاجتهاد والالتزام هما الطريق إلى العدالة، فقد بدأ يتساءل في داخله بوجع: *كيف يمكن للحق أن يكون بطيئاً إلى هذا الحد، بينما يجد الباطل طريقه المختصر بسهولة؟*
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في المال الذي يُدفع، بل في الرسالة التي تتسلل إلى الوعي الإنساني، حين يعتقد الناس أن الصبر لم يعد فضيلة، وأن النزاهة طريق أطول، وأن أصحاب الضمائر الحية هم الأكثر معاناة.
وهنا لا تتحول الرشوة إلى مجرد جريمة مالية، بل إلى خللٍ أخلاقي واجتماعي، لأنها تهدم الإحساس بالمساواة، وتزرع في النفوس شعوراً بأن قيمة الإنسان لم تعد بما يستحق، بل بما يستطيع أن يدفع أو يلتف به على النظام.
وقد جاء الإسلام حاسماً في مواجهة هذا الداء، فقال تعالى: *﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.*
وقال سبحانه: *﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾.*
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم *: «لعن الله الراشي والمرتشي والرائش بينهما».*
ولم يأتِ هذا التشديد إلا لأن الظلم هنا لا يُقاس بانتقال المال، بل بإهانة العدالة، وبانكسار حق، وبانطفاء شعور المساواة في نفوس الناس.
فالوظيفة العامة ليست باباً للكسب، بل أمانة ومسؤولية، وعهدٌ بين الإنسان ووطنه، ورسالة تقوم على خدمة المواطن دون تمييز أو استغلال.
والمؤسسات لا تفقد قيمتها حين تتأخر معاملاتها، بل حين يفقد الناس ثقتهم بعدالتها.
والأوطان لا تضعف حين تواجه الأزمات، بل حين يشعر الإنسان البسيط أن كرامته أصبحت قابلة للمساومة.
إن معركة النزاهة ليست مواجهة مع أفراد، بل دفاع عن معنى العدالة، وعن هيبة القانون، وعن حق الشيخ المتعب، والأم المرهقة، والأرملة المكافحة، والشاب الحالم، في أن يصلوا إلى حقوقهم بكرامة، دون وساطة، ودون إذلال، ودون ثمن خفي.
*فكرامة الإنسان ليست سلعة.*
*والحق ليس امتيازاً.*
*والوظيفة العامة ليست مجالاً للمتاجرة بآلام الناس.*
وحين يدرك الجميع أن خدمة الناس أمانة، وأن الرشوة خيانة قبل أن تكون جريمة، وأن العدالة هي أساس بقاء الأوطان، ستعود المؤسسات إلى معناها الحقيقي.
وحينها فقط ، لن تُباع الكرامة في طوابير الانتظار.