رم - بلال حسن التل
كان مبهراً حدّ الدهشة الاحتفال الذي احتضنه المركز الثقافي الملكي، والذي نظمته وزارة التربية والتعليم بالتعاون مع المشروع الوطني للدفاع عن اللغة العربية، الذي أطلقته وتتبناه جماعة عمّان لحوارات المستقبل، فكان من نتائج هذا التعاون الاحتفاء بالمدارس الفائزة بمسابقة المدارس الداعمة للغة العربية، التي نظمتها الوزارة بالتعاون مع المشروع الوطني للدفاع عن اللغة العربية.
تعددت مصادر الدهشة المبهرة التي توفرت لهذا الاحتفال؛ أولها دقة التنظيم التي تجلت في احترام الوقت بانضباطية كاملة، وأهم من ذلك المستوى العالي للكلمات والأغاني والتمثيليات التي قدمها الطلبة من المدارس الفائزة في المسابقة، والتي مثلت مختلف مناطق الأردن، وكانت الغلبة فيها لمدارس الإناث، مما يعزز حقيقة تفوق المرأة الأردنية في طلب العلم والمعرفة.
لقد كانت جميع الكلمات والأغاني والتمثيليات باللغة العربية الفصيحة، وقد أتقنها الطلبة إتقاناً تاماً، بما يشكل رداً عملياً على الزعم بأن اللغة العربية لغة معقدة ينفر منها شباب العصر؛ إذ كان المشاركون في فقرات الحفل من الشباب والفتيات ينطقون العربية بانسيابية ذات عذوبة موسيقية عالية أدهشت الحضور، الذين أعربوا عن إعجابهم الكبير بالحفل تنظيماً ومحتوى، ولا سيما من حيث إتقان اللغة العربية ونطقها السليم.
ومن أسباب الإبهار في هذا الحفل أيضاً أن الغالبية الساحقة من المدارس الفائزة في المسابقة كانت مدارس حكومية، مما يفند الزعم القائل بأن التعليم والأنشطة في المدارس الخاصة والأجنبية أفضل، فالتجربة على أرض الواقع تقول غير ذلك. لكن مقتضيات محاربة اللغة العربية، في نظر البعض، هي التي تُحتم إخفاء هذه الحقيقة.
وهنا يثور السؤال: هل اللغة العربية بحاجة إلى الدفاع عنها؟ والإجابة عن هذا السؤال لا تحتاج إلى كبير عناء؛ فشيء من الانتباه إلى ما يجري في محيطنا وحياتنا اليومية يكشف كثيراً من مظاهر التراجع والتهميش التي تتعرض لها اللغة العربية، مع تكاثر شواهد ما يُسمّى بـ"العدوان على اللغة العربية"، مثل إحلال العامية محل الفصحى كما أراد بعض المستشرقين، وما نشهده في وسائل الإعلام والخطب العامة كالبرلمان والاحتفالات، وعلى واجهات المحلات. بل إننا صرنا نتبادل التهاني في مناسباتنا الاجتماعية والدينية بلغات أجنبية عبر رسائل الجوال.
كما أن المار في شوارعنا يُفاجأ بكثرة أسماء المحلات المكتوبة بلغات أجنبية، وكثرة اللوحات الإعلانية غير العربية، فضلاً عن غياب العربية عن قوائم الطعام والشراب في مطاعمنا ومقاهينا وفنادقنا. بل صار كثير من طالبي الوظائف يحرصون على كتابة سيرهم الذاتية وأوراقهم الرسمية بلغة أجنبية، وكأنها اللغة الرسمية للبلاد، رغم أن الدستور ينص على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة.
وبالتزامن مع تزايد ممارسات تهميش اللغة العربية، يتصاعد انتشار لغة هجينة بات الشباب يتخاطبون ويتراسلون بها، وتُعرف بـ"العربيزي"، وهو ما يستوجب العمل على الحد من انتشارها، لأن توسعها يشكل خطراً يهدد هويتنا الوطنية وانتماءنا القومي ومنظومتنا الاجتماعية والقيمية، ويكشف عن مظاهر تبعية ثقافية واضحة.
فاللغة ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي منظومة قيمية ومعرفية وثقافية تُشكّل شخصية الأمة ومقوّم وجودها الأساس. وقد ذهب علماء الاجتماع إلى أن الأمة تزول بزوال لغتها؛ لذلك فإن الدفاع عن اللغة العربية هو دفاع عن مكانة الأمة وشخصيتها واستقلالها وثقافتها وذاكرتها ونسيجها الاجتماعي وسلمها الأهلي، إذ إن اللغة هي الحافظ لكل ذلك.
ومن هنا، يصبح الدفاع عن اللغة العربية واجباً وطنياً وقومياً وأخلاقياً، يسعى المشروع الوطني للدفاع عن اللغة العربية إلى تحقيقه بالتعاون مع الخيرين من أبناء الوطن ومؤسساته، وفي طليعتها وزارة التربية والتعليم، التي كان من ثمار تعاونها هذه المسابقة الرائعة، وهذا الاحتفال الذي يليق بها.