د . مهدي مبارك عبد الله
لم يكن حديث الرئيس الامريكي دونالد ترامب عن ربط وقف الحرب مع إيران بمسار التطبيع مع إسرائيل لم يكن مجرد تصريح سياسي عابر بل بدا وكأنه إعلان واضح عن طبيعة المشروع الأمريكي الإسرائيلي الجديد في الشرق الأوسط وان واشنطن التي دخلت المواجهة مع طهران بمطالب اسرائيلية في مقدمتها إسقاط النظام والنفوذ الإيراني وإعادة رسم خارطة المنطقة بالقوة اكتشفت بعد شهور من التصعيد أن الحرب لم تحقق أهدافها الكبرى لا عسكريا ولا سياسيا ولذلك بدأ البيت الأبيض يبحث عن مخرج مختلف يحول التعثر العسكري إلى إنجاز سياسي يمكن تسويقه داخليا وخارجيا وهنا عاد ترامب إلى الورقة التي يعتبرها أهم إنجازاته في المنطقة وهي اتفاقيات أبراهام سيئة السمعة والذكر
اللافت في الامر أن ترامب لم يطرح التطبيع هذه المرة باعتباره خيارا سياديا للدول العربية أو نتيجة لمسار سلام متوازن بل قدمه بصورة أقرب إلى المقايضة السياسية المباشرة من حيث وقف الحرب مع ايران مقابل التطبيع مع اسرائيل وكأن أمن المنطقة واستقرارها وتحقيق التهدئة بات مشروطا بفتح أبواب الاعتراف الكامل بإسرائيل دون أن تقدم الأخيرة أي تنازل حقيقي للفلسطينيين أو توقف سياساتها التوسعية والاستيطانية أو حتى تعترف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره و إقامة دولته المستقلة
مجمل المعادلة المتناقضة تكشف بوضوح أن الحرب على إيران لم تكن منفصلة عن مشروع إعادة تشكيل المنطقة سياسيا ومنذ سنوات تعمل واشنطن وتل أبيب على بناء تحالف إقليمي جديد تكون إسرائيل فيه القوة المركزية سياسيا وأمنيا واقتصاديا بينما يتم دفع الدول العربية والإسلامية إلى الانخراط داخل هذا المشروع تحت عناوين مواجهة إيران أو حماية الاستقرار أو ضمان المصالح الاقتصادية ولهذا فإن الربط الذي أعلنه ترامب بين إنهاء الحرب وتوسيع اتفاقيات أبراهام يعكس قناعة أمريكية إسرائيلية بأن الضغوط العسكرية والاقتصادية يمكن أن تتحول إلى أداة قوية لإجبار المنطقة على القبول بالوقائع الجديدة
الحرب نفسها كشفت حدود القوة الأمريكية والإسرائيلية معا وإيران رغم الضربات بقيت قادرة على تهديد الملاحة الدولية وفرض معادلات ردع معقدة كما أن دول الخليج اكتشفت أن أي مواجهة واسعة مع طهران ستضع اقتصادها ومنشآتها النفطية ومدنها الكبرى تحت خطر مباشر ولهذا بدأت عواصم الخليج تنظر إلى التهدئة باعتبارها ضرورة استراتيجية تتعلق ببقائها واستقرارها وليس مجرد خيار سياسي مؤقت مضطرة للقبول به
ترامب حاول استثمار هذا القلق الخليجي بأقصى درجة ممكنة وهو يدرك أن دول المنطقة تريد إنهاء الحرب وتجنب الانفجار الإقليمي ولذلك قام بتحويل حاجتها إلى الأمن والاستقرار إلى ورقة ضغط سياسية تدفعها نحو التطبيع مع إسرائيل دون شروط حقيقية ولهذا جاءت تصريحاته الأخيرة وكأنها رسالة واضحة مفادها أن الطريق إلى وقف الحرب يمر عبر بوابة تل أبيب حصرا
في العمق تبدو حسابات ترامب مرتبطة أيضا بأزمته السياسية الداخلية خاصة وان الرجل الذي وعد الأمريكيين بحسم سريع وإخضاع إيران وجد نفسه أمام حرب طويلة ومكلفة لم تنتج نصرا واضحا ولذلك أصبح بحاجة إلى إنجاز سياسي كبير يعوض تعثر الخيار العسكري ويعيد تقديمه أمام جمهوره باعتباره صانع سلام ومهندس شرق أوسط جديد ولهذا يسابق الزمن قبل نهاية ولايته لتحقيق أكبر قدر ممكن من الاختراقات التطبيعية حتى يكتب اسمه باعتباره الرئيس الذي دمج إسرائيل بالكامل داخل المنطقة العربية والإسلامية
فوق كل ذلك لا زال ترامب يواجه ضغوطا قوية من التيار الجمهوري المتشدد ومن اللوبيات الداعمة لإسرائيل التي تخشى أن يبدو أي اتفاق مع إيران وكأنه تراجع أمريكي أو اعتراف بفشل سياسة الضغط القصوى ولذلك يحاول تغليف أي تهدئة مع طهران بإطار سياسي أوسع يقوم على توسيع التحالفات مع إسرائيل حتى لا يظهر وكأنه خرج من الحرب بلا مكاسب استراتيجية
العقبة الكبرى أمام هذا المشروع تكمن في التحولات العميقة التي شهدها الرأي العام العربي والإسلامي بعد حرب غزة وما رافقها من مشاهد الدمار والقتل والتجويع والشارع العربي لم يعد ينظر إلى إسرائيل باعتبارها شريكا طبيعيا بل بات يراها مصدر تهديد دائم وعدم استقرار ولهذا فإن أي محاولة لفرض التطبيع بالقوة السياسية أو الاقتصادية ستصطدم بحالة رفض شعبي واسعة قد تضع الحكومات العربية نفسها أمام أزمات داخلية معقدة
السعودية التي تمثل الجائزة الكبرى في مشروع التطبيع الأمريكي المأمول تبدو حتى الآن أكثر حذرا من الانجرار الكامل خلف الضغوط الأمريكية والرياض تدرك أن مكانتها الإسلامية والسياسية تجعل أي تطبيع مجاني مع إسرائيل مكلفا للغاية ولذلك ما زالت تربط أي اتفاق بوجود مسار واضح نحو إقامة دولة فلسطينية مستقلة وهو شرط يبدو بعيدا جدا في ظل الحكومة الإسرائيلية الحالية
أما قطر فترى أن الحفاظ على دورها كوسيط إقليمي يتطلب بقاء مسافة سياسية بينها وبين إسرائيل بينما تبدو باكستان أكثر وضوحا في رفضها لأي انضمام إلى اتفاقيات أبراهام بسبب طبيعة المزاج الشعبي والديني داخلها وحتى تركيا رغم علاقاتها القديمة مع إسرائيل تجد نفسها أمام معادلة صعبة تجعل العودة إلى التطبيع الكامل أمرا بالغ التعقيد خصوصا بعد الحرب على غزة
مشروع ترامب يواجه اليوم بيئة إقليمية مختلفة تماما عن تلك التي ولدت فيها اتفاقيات أبراهام عام 2020 ففي تلك المرحلة كانت واشنطن تبدو القوة المهيمنة بلا منازع بينما كانت المنطقة تعيش حالة إنهاك وانقسام أما اليوم فإن الحرب مع إيران كشفت حدود القوة الأمريكية وأظهرت أن الشرق الأوسط دخل مرحلة جديدة من التوازنات المعقدة التي لم تعد تسمح بفرض المشاريع الكبرى بسهولة
السيناريو الأول المحتمل في هذا الاطار يتمثل في نجاح واشنطن بتحقيق اختراقات محدودة مع بعض الدول عبر مزيج من الضغوط والإغراءات الاقتصادية والأمنية لكن هذا النجاح إن تحقق سيبقى هشا بسبب غياب القبول الشعبي الحقيقي
أما السيناريو الثاني فهو استمرار المراوحة السياسية بحيث تبقى الاتصالات والمفاوضات قائمة دون الوصول إلى اتفاقات كبرى خصوصا إذا استمرت إسرائيل في رفض أي تسوية حقيقية للقضية الفلسطينية وهذا السيناريو يبدو الأقرب في المدى المنظور
يبقى السيناريو الأخطر مرتبطا بإمكانية عودة التصعيد العسكري إذا فشلت المفاوضات مع إيران أو إذا حاولت واشنطن وتل أبيب فرض ترتيبات جديدة بالقوة وعندها قد تدخل المنطقة في دورة جديدة من الحروب والفوضى قد تكون أشد خطورة واتساعا مما كل ما سبق
على جانب اخر اكد مسؤولون أمريكيون وعرب حاليون وسابقون أن إدخال ترامب ملف اتفاقيات أبراهام في صلب المحادثات مع إيران يعكس محاولة أمريكية مكشوفة لصرف الأنظار عن فشل الحرب في تحقيق أهدافها الأساسية وفي مقدمتها كسر إيران أو تدمير قدراتها العسكرية وأن ما يفعله ترامب يبدو وكانه حيلة نموذجية تهدف إلى تسويق أي اتفاق مع إيران باعتباره إنجازاً استراتيجياً عبر جرّ دول عربية جديدة إلى التحالف الإسرائيلي الأمريكي وفق انطباع خاطئ بأن الدول الخليجية التي زجّ بها في الحرب باتت مطالبة برد الجميل عبر التطبيع مع الاحتلال الإسرائيل
الاعجب ان ترامب بات يتصرف باعتباره بابا حروب الإبادة ورسول الحلف الإبراهامي وأسقف العقوبات حيث لم يعد يطرح التطبيع باعتباره خياراً سياسياً أو تفاوضياً بل أمر إلزامي تفرضه واشنطن بالقوة العسكرية والعقوبات والابتزاز الأمني وأن المنطقة انتقلت من مرحلة الدعوة إلى التطبيع إلى مرحلة الأمر بالتطبيع والنهي عن المقاومة ليس بالكلام فقط بل عبر العصا والهراوة والردع العسكري والاقتصاد وأنه على جميع دول المنطقة التوقيع على اتفاقيات أبراهام قبل أن يزيد ترامب وقاحة بقوله إن السعودية وقطر يجب أن توقّعا وإلا فلن تكونا جزءاً من الاتفاق مع إيران ( سلام لإسرائيل لا سلام للمنطقة )
الخلاصة : يبدو أن ترامب لا يتحرك فقط بدافع صناعة السلام كما يحاول أن يظهر بل بدافع إعادة إنتاج النفوذ الأمريكي والإسرائيلي في المنطقة عبر بوابة التطبيع غير أن المشكلة الكبرى التي تواجه هذا المشروع أن الشرق الأوسط بعد حرب إيران وغزة لم يعد يشبه الشرق الأوسط الذي عرفته واشنطن قبل سنوات سيما وان التوازنات قد تغيرت وصورة إسرائيل تضررت والشكوك تجاه الولايات المتحدة تعمقت كما أن الشعوب العربية والإسلامية باتت أكثر حساسية تجاه أي محاولة لتجاوز القضية الفلسطينية أو فرض وقائع جديدة بالقوة
ما يجب فهمه اخيرا ان تحويل وقف الحرب مع إيران إلى ثمن سياسي يدفع لإسرائيل قد تبدو في ظاهرها صفقة دبلوماسية كبرى لكنها في العمق تكشف حجم المأزق الأمريكي نفسه بان القوة التي عجزت عن فرض الحسم العسكري الكامل تحاول اليوم تعويض ذلك بفرض ترتيبات سياسية سريعة قبل أن يتغير ميزان القوى أكثر لكن التاريخ أثبت مرارا أن المشاريع التي تبنى على الضغوط والابتزاز وتجاهل حقوق الشعوب قد تحقق مكاسب مؤقتة لكنها نادرا ما تصنع سلاما حقيقيا أو استقرارا دائما
كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
[email protected]
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |