الأستاذ الدكتور يحيا سلامه خريسات
أصبحت ظاهرة العنف المجتمعي من القضايا التي تستدعي وقفة جادة ومسؤولة من مختلف مؤسسات الدولة والمجتمع، بعد أن شهدت السنوات الأخيرة تكراراً لحوادث مؤسفة بدأت بخلافات بسيطة وانتهت في كثير من الأحيان بإزهاق الأرواح وسفك الدماء. وما يزيد من خطورة هذه الظاهرة أنها لم تعد محصورة في بيئة أو فئة اجتماعية معينة، بل باتت تظهر بين الحين والآخر في مناطق مختلفة، الأمر الذي يفرض البحث العميق في أسبابها الحقيقية بعيداً عن الأحكام السريعة أو التفسيرات المبسطة.
لقد عرف الأردن عبر تاريخه الطويل مجتمعاً متماسكاً يقوم على قيم التسامح والتكافل والاحترام المتبادل، وكانت العلاقات الاجتماعية والأسرية تشكل شبكة أمان قوية تحاصر الخلافات وتمنع تفاقمها. إلا أن التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي شهدها العالم خلال العقود الأخيرة تركت آثارها على المجتمعات كافة، ولم يكن المجتمع الأردني بمنأى عن هذه المتغيرات التي أفرزت تحديات جديدة وأشكالاً مختلفة من الضغوط النفسية والاجتماعية.
ولا شك أن العامل الاقتصادي يمثل أحد أبرز العوامل المؤثرة في تصاعد مظاهر التوتر والعنف. فارتفاع معدلات البطالة وتزايد الأعباء المعيشية وتراجع القدرة الشرائية للأسر كلها عوامل تضع الفرد تحت ضغوط متراكمة قد تدفع بعض الأشخاص إلى الانفعال السريع أو السلوك العدواني عند مواجهة المشكلات اليومية. ومع أن الفقر بالضرورة لا يصنع الجريمة ، إلا أن الشعور بالإحباط وانسداد الأفق وفقدان الأمل بالمستقبل يمكن أن يشكل بيئة خصبة لنمو السلوكيات السلبية.
وفي الوقت نفسه لا يمكن إغفال أثر التراجع النسبي في منظومة القيم والأخلاق لدى بعض الفئات، فالدين والأخلاق يشكلان خط الدفاع الأول في مواجهة الغضب والانفعال ويعززان قيم التسامح والعفو وضبط النفس. وعندما تضعف هذه القيم أو تتراجع التربية الأسرية والتوجيه التربوي، يصبح الفرد أكثر استعداداً للاستجابة لمشاعره اللحظية دون تقدير لعواقب أفعاله. وكثير من الحوادث المؤلمة التي شهدها المجتمع بدأت بمشادة كلامية أو خلاف عابر كان يمكن احتواؤه لو تحلى أطرافه بالحكمة والصبر.
كما أن التحولات الاجتماعية الحديثة أثرت بصورة واضحة على طبيعة العلاقات داخل الأسرة والمجتمع. فقد تراجع في بعض الأحيان الدور التقليدي للأسرة الممتدة التي كانت تمارس دوراً تربوياً ورقابياً مهماً، وأصبح العديد من الآباء والأمهات منشغلين بتأمين متطلبات الحياة اليومية، الأمر الذي انعكس على مستوى المتابعة والتوجيه للأبناء. وفي ظل هذا الواقع أصبح بعض الشباب أكثر عرضة للتأثر بالمؤثرات الخارجية بعيداً عن الضوابط الأسرية التي كانت تحكم السلوك في السابق.
وزادت وسائل التواصل الاجتماعي من تعقيد المشهد، إذ تحولت في أحيان كثيرة إلى منصات لنشر الشائعات وتأجيج الخلافات وإثارة النعرات. فكلمة غاضبة أو منشور مستفز قد يشعل أزمة كبيرة خلال ساعات قليلة، بينما كان مثل هذا الخلاف في الماضي ينتهي في نطاق ضيق. كما أن التعرض المستمر لمشاهد العنف وخطابات الكراهية قد يؤدي إلى تطبيع هذه السلوكيات وجعلها أكث
ر قبولاً لدى بعض الفئات، خاصة إذا غابت الرقابة الأسرية والتوعية المجتمعية.
ويثار في كثير من المجالس والحوارات سؤال حول ما إذا كان ما يطلق عليه “الأمن الناعم” قد أسهم في تنامي بعض مظاهر العنف. والحقيقة أن الإجابة لا يمكن أن تكون بشكل مطلق بنعم أو لا ، فالدولة الحديثة مطالبة بحماية الحقوق والحريات واحترام الكرامة الإنسانية، لكنها في الوقت ذاته مطالبة بفرض سيادة القانون وهيبته. وما يطلبه المواطن في النهاية ليس التشدد غير المبرر، وإنما الشعور بأن القانون حاضر وقادر على ردع المعتدي وإنصاف المظلوم بسرعة وعدالة. فكلما ترسخ اليقين بأن القانون هو المرجع الوحيد لحل النزاعات، تراجعت النزعات الفردية ومحاولات أخذ الحق باليد.
إن مواجهة العنف المجتمعي لا تتحقق عبر الإجراءات الأمنية وحدها، مهما بلغت أهميتها، بل تحتاج إلى مشروع وطني متكامل تشارك فيه الأسرة والمدرسة والجامعة والمؤسسات الدينية والإعلامية والثقافية. فتعزيز فرص العمل وتحسين الظروف الاقتصادية، وترسيخ التربية القائمة على القيم والأخلاق، ونشر ثقافة الحوار والتسامح، وتفعيل دور المؤسسات المجتمعية والوجهاء والمصلحين، كلها عناصر أساسية في بناء بيئة مجتمعية أكثر استقراراً وأقل ميلاً إلى العنف.
وفي النهاية، فإن العنف المجتمعي ليس نتيجة سبب واحد يمكن عزله عن بقية الأسباب، بل هو نتاج تفاعل معقد بين الظروف الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والثقافية والقانونية. ومن الخطأ اختزال المشكلة في عامل واحد أو تحميل جهة بعينها كامل المسؤولية. فالمجتمع بأسره معني بمواجهة هذه الظاهرة، والدولة بكل مؤسساتها مطالبة بالعمل على معالجة جذورها قبل نتائجها. ويبقى الرهان الحقيقي على وعي الأردنيين وقيمهم الأصيلة التي طالما شكلت أساساً متيناً للوحدة الوطنية والسلم الأهلي، فالأمم القوية ليست تلك التي تخلو من المشكلات، وإنما تلك التي تمتلك القدرة على تشخيصها ومعالجتها قبل أن تتحول إلى خطر يهدد الأمن والاستقرار المجتمعي.
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |