الوطن أولاً .. حين تسمو المصلحة الوطنية فوق كل إعتبار


رم - الإعلامي الدكتور نسيم أبو خضير

في اللحظات المفصلية من عمر الأوطان يسقط المترددون ، ويبقى المخلصون . وفي ساعات التحدي تُختبر المعادن الحقيقية للرجال ، وتظهر قيمة الإنتماء الصادق الذي لا تزعزعه الإشاعات ، ولا تضعفه الأزمات ، ولا تغريه المصالح الشخصية . فالوطن ليس إرثاً نتلقاه من الآباء فحسب ، بل أمانة نحملها للأبناء ، ومسؤولية تستوجب أن نقف جميعاً خلفه كالبنيان المرصوص .
إن حب الوطن ليس خياراً ، ولا موقفاً مؤقتاً تفرضه الظروف ، بل هو عقيدة راسخة في النفوس ، وواجب أخلاقي ووطني لا يقبل المساومة أو التفريط .
لقد علمنا الإسلام أن حب الأوطان من أسمى المشاعر الإنسانية ، وتجلى ذلك في موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أضطر إلى مغادرة مكة المكرمة ، فوقف يخاطبها بقلب المحب المشتاق قائلاً :
" والله إنكِ لأحب أرض الله إلى الله ، وأحب أرض الله إليَّ ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت . "
فكانت كلمات خالدة تؤكد عمق الإرتباط بالأرض والوطن ، وأن حب الوطن لا يتعارض مع الإيمان ، بل ينسجم مع أسمى معاني الوفاء والإنتماء .
وروي عن أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر ما يدل على مكانة مكة في القلوب ، وكيف يبقى الوطن جميلاً في أعين أبنائه مهما إبتعدوا عنه ، لأن الأوطان تسكن الأرواح قبل أن تسكنها الأجساد .
وفي عالم يموج بالتحديات والمتغيرات ، فإن الأوطان لا تُصان بالشعارات وحدها ، ولا بالكلمات الرنانة والخطب الحماسية فحسب ، وإنما تُصان بالعمل والإخلاص والوحدة والتضحية وتقديم المصلحة الوطنية العليا على كل المصالح الشخصية والفئوية والضيقة .

فحين يتقدم الوطن تتقدم مصالح الجميع ، وحين يتعرض الوطن للخطر لا قدر الله تصبح حماية أمنه وإستقراره مسؤولية جماعية لا تستثني أحداً .
إن الأردن ، بقيادته الهاشمية الحكيمة ، واجه عبر تاريخه الطويل تحديات جساماً ، لكنه كان في كل مرة يخرج أكثر قوة وصلابة بفضل تلاحم القيادة والشعب ، ووحدة الصف الوطني ، ووعي الأردنيين بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم .

وقد أثبتت الأحداث أن الدول التي تتماسك جبهتها الداخلية وتتوحد كلمتها هي الأقدر على مواجهة الأخطار والتحديات مهما عظمت .
ومن هنا فإن الواجب الوطني يقتضي أن نكون صفاً واحداً ويداً واحدة في مواجهة أي خطر أو تهديد يستهدف وطننا أو أمنه أو إستقراره . وأن نقف خلف عبدالله الثاني بن الحسين ، وخلف القوات المسلحة الأردنية - الجيش العربي ، وخلف أجهزتنا الأمنية الساهرة على أمن الوطن والمواطن ، فهي درع الوطن الحصين وسياجه المنيع الذي حمى الأردن عبر العقود .

إن حب الوطن ليس منشوراً على مواقع التواصل الإجتماعي ، ولا عبارة تردد في المناسبات الوطنية ثم تُنسى ، بل هو إلتزام يومي ينعكس في إحترام القانون ، والمحافظة على مقدرات الوطن ، والإخلاص في العمل ، ومحاربة الإشاعة ، والتصدي لكل من يحاول النيل من وحدتنا الوطنية أو التشكيك بمؤسساتنا .

كما أن حب الوطن يتجسد في الإيمان برؤية جلالة الملك عبدالله الثاني وتوجيهاته ، وإستيعاب ما يطرحه في خطاباته وكلماته من رؤى مستقبلية تهدف إلى بناء دولة قوية حديثة ، قائمة على سيادة القانون ، وتمكين الشباب ، وتعزيز الإقتصاد ، وتطوير التعليم ، وتحقيق التنمية المستدامة التي تليق بالأردنيين وتطلعاتهم .

لقد كان جلالة الملك على الدوام يضع مصلحة الأردن فوق كل إعتبار ، ويؤكد أن قوة الدولة تنبع من وحدة شعبها وتماسك جبهتها الداخلية ، وأن المستقبل يصنعه أبناء الوطن بإرادتهم وعملهم وإيمانهم بقدراتهم . ومن هنا فإن ترجمة حب الوطن عملياً تكون بالسير على هذا النهج ، والعمل من أجل رفعة الأردن وتقدمه وازدهاره .

وفي هذه المرحلة الدقيقة التي تشهد فيها المنطقة تحديات متسارعة وتحولات عميقة ، فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الجميع هي أن الأردن أكبر من المصالح الشخصية ، وأسمى من الحسابات الضيقة ، وأغلى من كل المكاسب المؤقتة . وسيبقى قوياً بعون الله ما بقي أبناؤه أوفياء له ، ملتفين حول قيادتهم الهاشمية ، مؤمنين برسالتهم الوطنية ، مستعدين للدفاع عنه بكل ما يملكون .
نعم ، سيبقى الوطن أكبر منا جميعاً ، وأبقى من مصالحنا ، وأغلى من حساباتنا ، وأسمى من خلافاتنا .
وسيظل الأردن الراية التي نجتمع تحتها ، والعنوان الذي نفخر بالإنتساب إليه ، والهوية التي نحملها في قلوبنا قبل أوراقنا الثبوتية . وحين تشتد التحديات ، فإن أول واجب وطني يفرض نفسه هو أن نكون صفاً واحداً خلف قيادتنا الهاشمية وجيشنا العربي وأجهزتنا الأمنية ، دفاعاً عن وطن لم يبخل علينا يوماً بالأمن والكرامة والإستقرار .
حفظ الله الأردن ، وحفظ قيادته الهاشمية الحكيمة ، وأدام على وطننا نعمة الأمن والإستقرار ، وجعل أبناءه دائماً صفاً واحداً وقلباً واحداً في مواجهة التحديات ، حتى يبقى الأردن شامخاً عزيزاً قوياً ، كما أراده الآباء والأجداد ، وكما يطمح إليه الأبناء والأحفاد .



عدد المشاهدات : (3927)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :