رم - عمر الرديني
في لحظةٍ صباحيةٍ تبدو عادية، كان طفلٌ صغير يشق طريقه إلى مدرسته بخطواتٍ واثقة، لا يحمل من العالم سوى حقيبةٍ صغيرة وأحلامٍ أكبر من عمره، غير أن الشارع الذي اعتاده كل يوم لم يعد كما كان؛ إذ انبثق من هامش المشهد قطيعٌ من الكلاب الضالة، فتبدّل الإيقاع في ثوانٍ: من براءةٍ تركض إلى ذعرٍ يسبق الصراخ، ومن طريقٍ مألوف إلى مساحةٍ غامضة لا يملك فيها الضعيف إلا الهروب، تلك اللحظة العابرة تكفي أحيانًا لتعيد تعريف معنى "الأمان" في مدينة كاملة.
أولًا: الشارع حين يفقد طمأنينته
لم تعد الكلاب الضالة مجرد ظاهرة هامشية، بل تحوّلت في بعض البيئات إلى عنصر اضطراب يومي يفرض حضوره على تفاصيل الحياة العامة، فالفئات الأكثر هشاشة—الأطفال، النساء، وكبار السن—تقف في الخط الأول أمام هذا الخطر غير المنظور دائمًا، لكنه حاضر عند كل زاوية شارع.
تتعدد الصور: طفل يغيّر طريقه خوفًا، وامرأة تتردد قبل الخروج ليلًا، ومسنّ يتجنب الممرات المفتوحة، إنها ليست حوادث منفصلة بقدر ما هي مؤشرات على تآكل الشعور بالأمان في الفضاء العام.
ويقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]
وهي قاعدة تحمي الإنسان من كل ما يهدد حياته أو يعرضه للخطر.
كما قال النبي ﷺ:" لا ضرر ولا ضرار "
وهو مبدأ يضع سلامة الإنسان في مركز أي تنظيم أو تشريع.
ثانيًا: حين يتحول الخوف إلى نمط حياة
الأخطر من الحوادث نفسها هو أثرها الممتد؛ فالمشكلة لا تتوقف عند لحظة الهجوم، بل تبدأ بعدها، إذ يتشكل خوف صامت يعيد تشكيل علاقة الإنسان بمحيطه، فيتحول الشارع من مساحة حياة إلى مساحة حسابات دقيقة: متى أخرج؟ من أين أمر؟ هل هذا الطريق آمن؟
وهنا تتجاوز القضية بعدها البيولوجي أو البيئي لتصبح قضية "إحساس بالأمان"، وهو أحد أعمدة الاستقرار الاجتماعي غير المرئية.
وفي هذا السياق، يذكّر القرآن الكريم بتوازن الوجود: ﴿ وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ... إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم﴾ [الأنعام: 38]
لكن هذا التوازن لا يعني إغفال حق الإنسان في السلامة، بل يفرض إدارة واعية لهذا التعايش.
ثالثًا: فجوة الحماية عندما يتقدم الخطر على الحل
رغم تنامي الظاهرة، لا تزال بعض البيئات تفتقر إلى منظومة حماية استباقية متكاملة، إذ تُدار المشكلة في كثير من الأحيان بردود فعل لاحقة، لا بمنع مسبق، وكأن الخطر يُعالج بعد أن يترك أثره، لا قبل أن يصل.
وتكمن الإشكالية في ضعف الربط بين الرصد الميداني، والتحليل البيئي، والتدخل السريع، مما يترك المواطن في مواجهة مباشرة مع خطر غير متوقع، دون شبكة حماية كافية تحيط به.
رابعًا: الضوابط الحكومية بين الحزم وإعادة التنظيم
في المقابل، تعمل الجهات المختصة في عدد من الدول على تطوير أدوات التعامل مع هذه الظاهرة، عبر حملات جمع الكلاب الضالة، وبرامج التعقيم والتطعيم، وإنشاء مراكز إيواء، إلى جانب التوعية المجتمعية.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الإجراء وحده، بل في تحويله إلى منظومة مستدامة، تجعل من الوقاية أولوية، لا الاستجابة المتأخرة، فالأمن لا يُقاس بغياب الحادث فقط، بل بغياب احتماله أصلًا.
خامسًا: بين الرحمة وواجب الحماية
يظل البعد الإنساني حاضرًا حتى في أكثر القضايا تعقيدًا، فقد ورد في الحديث الشريف أن امرأة غُفِر لها لأنها سقت كلبًا عطشانًا، في دلالة عميقة على أن الرحمة قيمة راسخة في التصور الإسلامي.
لكن هذه الرحمة لا تنفصل عن واجب آخر: حماية الإنسان من الضرر، وتحقيق التوازن بين الكائنات ضمن نظام لا يطغى فيه أحد على حق الآخر.
خاتمة
في النهاية، لا تبدو القضية مجرد صراع بين الإنسان والحيوان، بل هي سؤال أعمق عن معنى "الأمان" نفسه: ه ل هو غياب الخطر؟ أم القدرة على التنبؤ به ومنعه قبل أن يولد؟
الكلاب الضالة هنا ليست مجرد ظاهرة، بل مرآة لمدى قدرة المجتمعات على إدارة حدودها غير المرئية بين الفوضى والنظام، بين الرحمة والحزم، بين الحياة كما هي، والحياة كما ينبغي أن تكون.
وحين يفقد الطريق هدوءه، لا يصبح الخطر في ما نراه فقط، بل في ما نتوقف عن توقعه، عندها فقط ندرك أن الأمان ليس حالةً نعيشها، بل منظومةٌ تُبنى كل يوم، أو تنهار بصمت.